26 تشرين2/نوفمبر 2015

" الاتجار فى البشر "

سلسلة مفاهيم إنسانية

العدد (62)

" الاتجار فى البشر "

وسط المجازر التى تشنها عصابات عديدة تدعى أنها جيوش أو ميليشيات أو كتائب أو ولايات لدول ديمقراطية أو اشتراكية أو إسلامية، تصرخ الأمهات والأطفال والمرضى عرايا مسلوبى الإرادة فى العراق وسوريا واليمن وليبيا ومناطق صراع أخرى بسبب صراعات - لا ذنب لهم فيها - على ثرواتهم وعرقهم.

وسط هذه المناطق يهرب الملايين من براميل دنات الصواريخ والطائرات ويخترقون الحدود التى أقامتها عصابات تتحكم فى إدارة العالم وثرواته، لكنهم لا يجدون فى استقبالهم سوى الأسلاك والأسوار ورصاص بنادق حرس الحدود.

وسط هذه المجازر التى نتلقفها كل يوم عثر أحد زملائنا بالمركز على أوراق قديمة وسط النفايات تتحدث عن حقوق اللاجئين وعدم الاتجار بأجسادهم البشرية، ودعانا للاطلاع على ما جاء بتلك الوثيقة التى تدوسها بيادات تلك العصابات التى اغتالت زرع هؤلاء اللاجئين وبيوتهم وأمانهم والذين كانوا يعيشون بسلام قبل وصول تلك العصابات إلى حكم العالم.

وتحدثت وثيقة زميلنا عن مخاطر الاتجار فى حقوق البشر بعد اتجاه هؤلاء اللصوص نحو تجمعات اللاجئين ومفاوضتهم لسرقة أعضائهم أو شرائها مقابل رزم الدولارات ليتمكنوا من عبور الحدود إلى داخل أسوار جديدة حالمين بالأمان.

واليكم ما جاء بتلك الوثيقة:

أقرت لجنة الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية فى جلستها الثالثة والعشرين التى انعقدت فى مايو 2014 قرارًا بعنوان "منع الاتجار بالأعضاء البشرية والاتجار بالبشر بغرض نزع الأعضاء ومكافحتهما".

وكلف القرار مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة بإجراء دراسة موسعة بشأن هذه القضية، وإعداد تقرير يُقدم للجنة فى 2016 سعيًا لتحسين فهم أبعاد هذه الجريمة ما سيساعد على وضع سياسات فعالة للتصدى لها.

وطبقًا للوثيقة: "فلا يوجد مفهوم موحد عالميًا لجريمة الاتجار بالأعضاء البشرية ولا حتى أداة عالمية ذات صلة ملزمة قانونيًا، وغياب هذين العاملين لا يعنى مع ذلك عدم خطورة هذه الجريمة، ولكنه إشارة إلى كون هذه الجريمة ظاهرةً جديدةً يخطو المجتمع الدولى خطواته الأولى على طريق محاولة فهم نطاقها".

وتؤكد الوثيقة أن هذه الجريمة تقع بأشكال ثلاثة، أولها، الاتجار بالبشر بغرض نزع الأعضاء كشكل من أشكال الاتجار بالبشر مثلما نص بروتوكول باليرمو لمكافحة الاتجار بالبشر لعام 2000، لكن ذلك يختلف عمَّا يُعرف باسم "سياحة زرع الأعضاء"، وهو النوع الثانى الذى يقصد به سفر الشخص المستفيد من إحدى الدول المتقدمة إلى الدول النامية حيث يخضع لعملية زرع أعضاء بشرية تم شراؤها، وفى ضوء ذلك، لا يعنى الاتجار بالأعضاء البشرية مجرد نقل الأعضاء ولكنه انتقال الأشخاص من الاقتصادات النامية والناشئة إلى الاقتصادات الغنية بغرض نزع أعضائهم ثم ترحيلهم من الدول الغنية إلى الدول النامية مرة أخرى، ويطلقون على هذا النوع "سياحة زرع الأعضاء"، وأما الشكل الثالث فهو الاتجار بالأعضاء البشرية بمفهومه الضيق أى الانتقال غير المشروع للأعضاء البشرية نفسها بين الدول.

وقد تنامت صناعة زرع الأعضاء البشرية فى جميع أنحاء العالم، بيد أن ظهور جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية لم يأتِ نتيجة هذه الصناعة فى حد ذاتها ولكن بسبب الثغرة المتزايدة بين الطلب على الأعضاء البشرية والعرض الشرعى لها.

ومثلما هو حال جميع النشاطات السرية فإن نطاق الاتجار بالأعضاء البشرية غير معروف بدقة، وقد أجريت محاولة لمعرفة المزيد عن هذا النشاط فى 2004 عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بشأن الاتجار بالأعضاء البشرية ومكافحته وتجريمه، ولكن فى تقرير تالٍ قدمه الأمين العام للأمم المتحدة ذكر أن الدول الأعضاء لم تقدم معلوماتٍ كافية بشأن هذه القضية ما جعل تحدى الاتجار بالأعضاء البشرية غير مستنكفٍ إلى حد بعيد من جانب المجتمع الدولى.

ومع ذلك وفى ضوء البيانات الرسمية الكافية، توجد معلومات كثيرة بشأن الاتجار بالأعضاء البشرية من مصادر غير رسمية، ويُزعم أن الاتجار بالأعضاء البشرية يُمثل 10% من جميع حالات زرع الأعضاء البشرية فى العالم ويُنتج ما يصل إلى 1.2 مليار دولار أمريكى من العائدات غير المشروعة سنويًا.

عامة يتبع المجتمع الدولى أسلوب حظر أنشطة زرع الأعضاء البشرية، وبمعنى آخر، تحظر الدول شراء الأعضاء البشرية وبيعها، وفى المقابل، تقوم هذه الصناعة على التبرع الطوعى والمحُسن بالأعضاء، حيث يصبح زرع الأعضاء البشرية - المبنى على اعتبارات أخلاقية وأدبية – مبررًا عندما يكون عملاً تطوعيًا للتبرع بالأعضاء؛ لأنه فى معظم الحالات يجمع بين أناس تربطهم علاقة وثيقة فعلية سوء أكانت اقتصادية أم إنسانية.

وقد خرج منهج الحظر من عباءة مبادئ منظمة الصحة العالمية التوجيهية بشأن زرع الخلايا والنُسج والأعضاء البشرية لعام 1991، إلا أنها ليست مبادئ ملزمة ولا تخضع جميع الدول لها، ويُعد إعلان استانبول بشأن الاتجار بالأعضاء وسياحة زرع الأعضاء أداة أخرى غير ملزمة جاءت نتيجة أحد المؤتمرات الدولية فى 2008.

وتحظر كذلك "اتفاقية حقوق الإنسان والطب الإحيائى" وبروتوكولها الإضافى لعام 2002 التى توصل إليها مجلس أوروبا شراء الأعضاء البشرية وبيعها، ويعمل كذلك مجلس أوروبا على اعتماد "اتفاقية مناهضة الاتجار بالأعضاء البشرية" التى تؤكد الحاجة لوجود وثيقة دولية ملزمة قانونيًا تتناول حصريًا جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية.

ويتوقع إجراء دراسة عن الاتجار بالأعضاء البشرية من المقرر أن يصدرها مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة بشأن قضية وضع أداة عالمية ملزمة قانونيًا لمكافحة الاتجار بالأعضاء البشرية.

والأساس المنطقى لوضع أداة جديدة محتملة مبنى على ثلاثة محاور، أولاً: الحاجة لمعالجة السبب الرئيسى وراء الاتجار بالأعضاء البشرية وهو النقص الحاد فى سوق الأعضاء البشرية، ويتأتى ذلك بالبناء على نماذج اقتناء الأعضاء الوطنية الناجحة، مثل: نظام "الموافقة الافتراضية" الذى يعنى أساسًا افتراض أن كل مواطن فى الدولة يقبل التبرع بأعضائه ما لم يعلن صراحة رفضه لهذا. ثانيًا، غياب تعريف متفق عليه دوليًا لمصطلح "الاتجار بالأعضاء البشرية". ثالثًا، يجب وضع وثيقة شاملة جديدة تعالج أسباب الاتجار بالأعضاء البشرية وعواقبه، وبمعنى آخر، يجب أن تضع هذه الأداة أحكامًا لتجريم الاتجار بالبشر لهذا الغرض وكذلك الاتجار بالأعضاء البشرية، ففى حين تجرم كثير من الدول فعليًا شراء الأعضاء البشرية تحت مظلة سلطانها القضائى المحلى، لا يجرم سوى عدد قليل جدًا من الدول شراء مواطنيها الأعضاء البشرية من خارج حدودها.

ويجب ابتكار وسيلة جديدة لتعزز التعاون الدولى فى هذه القضية تعزيزًا لا يُستهان به وخاصة فى مجالات: تسليم المجرمين ومصادرة الأصول والعائدات والمساعدة القانونية المتبادلة.

وأخيرًا، سيساهم وضع وثيقة جديدة ملزمة تهدف لمكافحة ووقف الاتجار فى الأعضاء البشرية واعتبار ذلك جريمة تستوجب العقاب.

وفى حين يقع الاتجار بالبشر بغرض نزع الأعضاء تحت مظلة "بروتوكول باليرمو لمكافحة الاتجار بالبشر" الملزم قانونيًا، لكن سياحة زرع الأعضاء والاتجار بالأعضاء البشرية لا تخضع لهذا البروتوكل، وإدراج هذه الجريمة إلى جانب الاتجار بالبشر من شأنه التأكيد على الحاجة لتغطية مجال الاتجار بالأعضاء البشرية تمامًا ويعكس كذلك تعقيداته.  

وخلاصة الوثيقة التى عرضناها أن الاتجار بالأعضاء البشرية لا يزال قيد البحث والدراسة من جانب المجتمع الدولى الذى يحاول إصدار وثيقة ملزمة، والشىء المحزن أن المجتمع الدولى نفسه ما زال يوافق على صنع القنابل والبارود وقذفه على الآمنين فى مناطق الحروب والنزاعات، وأمام المجتمع الدولى مهام عاجلة لحماية الشعوب من سياسات البطش التى تطبقها الحكومات على الآمنين وإلا فسينفجر العالم قريبًا، وليس هناك بديل الآن إلا وضع بدائل لتلك السياسات التى تحرق بيوت الآمنين وزراعاتهم حرصًا على الرمق الأخير فى الروح البشرية التى تجمع بين سكان الكرة الأرضية.

لمزيد من الاطلاع على الأعداد السابقة من سلسلة "مفاهيم إنسانية" يمكنكم زيارة الرابط التالى:

 

http://lchr-eg.org/humanistic-conceptions.html

 

مركز الأرض منظمة غير حكومية

تقدم الدعم والمساندة والمشورة

لصغار الفلاحين والصيادين والعمال من أجل مستقبل أفضل لحياتهم