04 تشرين2/نوفمبر 2013

الحقوق الثقافية للفلاحين

 سلسلة مفاهيم انسانية

العدد (60 )

الحقوق الثقافية للفلاحين[1]

                                   فريدة النقاش

رئيسة تحرير جريدة الأهالي

أخى الفلاح ... أختى الفلاحة

           حين دعا " صلاح جاهين " في مطلع ستينات القرن الماضي إلى ثورة ثقافية شاملة كان عنوانها " تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا " كان يعبر عن تطلع المصريين لبناء عالم جديد أفضل مدركين أن مثل هذا العالم الجديد سوف يكون ناقصاً إذا لم يجذب ملايين الفلاحين إلى الثقافة الحديثة ويرعى حقوقهم الثقافية ويقدم لهم الخدمات الثقافية الملائمة .

          وكان دستور 1964 قد أدخل نظام الحصة حيث وفر 50% من مقاعد المؤسسات التمثيلية من مجلس الأمة " البرلمان " إلى المجالس المحلية .

          وحين أنظر إلى أبناء جيلي وجيلين من قبلي وبعدي من المثقفين والمثقفات أجد أن الغالبية العظمى من هؤلاء قد إنحدروا من أسر ريفية كافحت كفاحاً مريراً من أجل تعليم أبنائها ، وكان تعليمها هو طريقها للصعود الاجتماعي ولمغادرة البيئة الراكدة في الريف إلى المدن المجاورة وإلى العاصمة لبناء مستقبل مختلف لهم ولوطنهم .

          بل إن التعرف على سير كبار المثقفين والمثقفات الذين لعبوا أدواراً مركزية في ثقافتنا سوف تدلنا على أن غالبيتهم العظمى خرجوا من الريف بعد أن كافحوا فقره وركوده من " رفاعة الطهطاوي " " لطه حسين " ومن " محمد عبد الوهاب " ، " لأم كلثوم " وعشرات غيرهم

          ويقول " خالد محي الدين " عضو مجلس قيادة ثورة يوليو عندما أصدرنا قانون الإصلاح الزراعي إنما كنا نرد الجميل ـ باسم مصر كلها ـ للفلاح صانع حضارة مصر ومنتج خيراتها على مدى آلاف السنين محاولين بهذا القانون أن نقدم له ثمرة كدحه ونضاله المتواصل من أجل حقوقه الإنسانية .

          وبعد أكثر من ستين عاما على ثورة يوليو تدهورت أوضاع فقراء الفلاحين حتى أن إحدى الصحف نشرت عنواناً كبيراً يناشد فيه الفلاحون رئيسهم :

          " جعانين يا أفندينا " وأصحاب الجلاليب يقودون الثورة المقبلة ، وإنتفاضة الفلاحين ضد مرسي والإخوان على الأبواب ، والفلاح المصري يحتاج إلى ثورة تصحيح لتعود إليه كرامته وكيانه الذين لا تعرفهم الحكومة ، ولا تتذكرهم المعارضة .

          كانت هذه بعض العناوين التي تصف حال الفلاحين الآن .

          ومراجعة وثائق الأحزاب الرئيسية للتعرف على رؤيتها لقضايا الفلاحين وبخاصة حقوقهم الثقافية تدلنا على أن اهتمام هذه الأحزاب تركز على كل من التعليم ومحو الأمية بما يعني أن الثقافة بمعناها الأشمل قد غابت عن هذه الرؤى ، وإن لم تغب عن بال عشرات المثقفين التقدميين الذين كافحوا من أجل مسرح في الريف من " هناء عبد الفتاح" " لأحمد إسماعيل" ومن " عبد الغفار عودة " " لعبد العزيز مخيون " وآخرين .

          إخترت لهذه الورقة ثلاثة أحزاب رئيسية للتعرف في برامجها ووثائقها على رؤيتها لحقوق الفلاحين الثقافية هي حزب الحرية والعدالة الحاكم وهو ينتمي سياسياً إلى اليمين الديني ، وحزب الوفد الليبرالي ، وحزب التجمع اليساري .

          في قسمه الخاص بالتنمية البشرية الشاملة يؤكد مشروع النهضة الذي قدمه الدكتور " محمد مرسي " كمرشح لرئاسة الجمهورية أكد على تبني مشروع واضح بجدول زمني للقضاء على الأمية والتسرب من التعليم ضمن مسارات التنمية الأساسية بالتعاون مع القطاعين الأهلي والخاص وإعادة هيكلة منظومة التعليم المصري . كما دعا الحزب إلى استحداث وظيفة المرشد المائي مع المرشد الزراعي ، وفي الفقرة الخاصة بتحسين أوضاع العمال والفلاحين في برنامج حزب الحرية والعدالة لم تأت أي إشارة لحقوق الفلاحين الثقافية .

          أما برنامج حزب الوفد فقد ركز على التوسع الزراعي ، دون أن يتوقف أمام أوضاع الفلاحين أو حقوقهم .

          وتعامل برنامج حزب التجمع مع الحقوق الثقافية للفلاحين كجزء من منظومة شاملة لبناء مجتمع المشاركة الشعبية مع وضع آليات للتنفيذ .

          دعا حزب التجمع إلى محو الأمية ونشر الخدمات الصحية والتعليمية ، كما فعل الحزبان الآخران .

          وفي سياق دعوته لتوسيع مفهوم وفلسفة الإرشاد الزراعي بين مسؤولي الوزارات والهيئات المعنية بالزراعة والتنمية الريفية قال إنه ليس مجرد سعي لإحداث تقدم تكنولوجي في أساليب الزراعة بل يستهدف إحداث نهضة شاملة في المجتمع الريفي قائمة على مشاركة كاملة من الأهالي على إختلاف أعمارهم وأجناسهم ومستوياتهم الثقافية من خلال تعليمهم كيفية إستغلال كل مواردهم البيئية والبشرية لمواجهة مشاكلهم وتحسين حياتهم .

          على أن تتحمل الجامعات ممثلة في كليات الزراعة مسؤولية القيام والمشاركة في هذا النوع من التعليم ، والتأكيد على الطابع التعاوني والديموقراطي لفلسفة التنظيم الإرشادي ، والاعتماد على الإقناع والتعليم متجنبين الضغط والإجبار .

          ولما كان التجمع قد رصد تدهور حال فقراء الفلاحين وعمال التراحيل فقد دعا إلى إصلاح زراعي جديد بعد أن إتسعت قاعدة الفقر في الريف بما يعيد للأذهان وصف " صلاح جاهين " لفقراء الفلاحين بأنهم :

القمح موش زي الدهب

القمح زي الفلاحين

عيدان نحيلة جدرها بياكل في طين

زي إسماعيل ومحمدين

وحسن عويضة اللي قاسى وأنضرب

علشان طلب

حفنة سنابل ريها كان بالعرق

عرق الجبين

          أما عبد الرحمن الأبنودي فقال :

إن الخريف

قرر يزور الريف

          وذلك بعد أن أخذت نتائج السياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية الجديدة وأحد أسسها تحرير الزراعة تضرب حياة فقراء الفلاحين في مقتل .

          وبينما كانت مجانية التعليم وإتساع نطاق تعليم أبناء الفلاحين قد شكلت نقلة نوعية في الوعي الطبقي الفلاحي وفي تفتح الفلاحين النسبي على الثقافة الجديدة ثقافة وشعارها " الأرض لمن يزرعها " .

          أخذت الثقافة الطبقية المتعالية على الشعب وعلى الفلاحين على نحو خاص تسترد عافيتها .

          وقبل ثورة يوليو كان أحد كبار ملاك الأراضي يرد على دعاة الإصلاح في القرى بقوله " أن تجهيز مساكن القرى بالغرف الصحية والحمامات وإنارتها بالكهرباء مظاهر لا تفيد الفلاح بل تفسده ، لأنها تؤخره عن عمله وتدعوه إلى النفور من طبيعته الخشنة التي تعود عليها آباؤه وأجداده.

          ويهاجم باشا آخر الدعوة إلى تعليم أبناء الفلاحين بحجة أن ذلك سيؤدي إلى اعتياد التلميذ على لبس الطربوش واستعمال حمالة الشراب مما يجعل من الصعب عليه بعد ذلك أن يمسك الفأس .

          وكان هذا هو المنطق الذي انتقده ورفضه وزير الثقافة الأسبق الدكتور " ثروت عكاشة " وهو مثقف موسوعي كبير كان يحلم بأن ينشئ بيتاً للثقافة في كل قرية من قرى مصر بعد أن وضع خطته للنهوض بمؤسسة الثقافة الجماهيرية كآلية لنشر الثقافة في الريف ولأسباب كثيرة عجز الوزير وكل من جاءوا بعده عن تنفيذ المشروع وبعد تغير أولويات الحكومات المتعاقبة خاصة في ظل سياسات الليبرالية الجديدة أو الرأسمالية المتوحشة التي تعتبر الثقافة ترفاً ، وتعول على انتشار الهلس والقيم التجارية الاستهلاكية توقف مشروع " ثروت عكاشة " الذي أجهضته الصراعات حتى قبل سياسات الليبرالية الجديدة ، والآن يوجد 560 قصر وبيت للثقافة في مصر منها ستة قصور في الريف ، و87 بيت ثقافة في القرى منها 20 بيت مجهز بالكمبيوتر وهناك 152 مكتبة في الريف منها 28 مكتبة مجهزة بالكمبيوتر وفي القاهرة 11 قصر ثقافة منها 6 مجهزة بالكمبيوتر ، وبالقاهرة أيضا هناك 13 بيت ثقافة ، ومنها بيت واحد به كمبيوتر وبها 5 مكتبات واحدة منها فقط مجهزة بالكمبيوتر وفي الجيزة هناك 4 قصور للثقافة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر و5 بيوت ثقافة ، و11 مكتبة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر وفي القليوبية 3 قصور في المدن و2 في الريف وبيتان للثقافة و10 مكتبات واحدة منها مجهزة بالكمبيوتر .

          وفي الفيوم قصر واحد للثقافة وبه كمبيوتر و4 بيوت للثقافة بيت واحد منها مجهز بالكمبيوتر ، و3 مكتبات واحدة منها مجهزة بالكمبيوتر .

          وفي أسيوط 3 قصور ثقافة قصر واحد به كمبيوتر و10 بيوت ثقافة منها 5 بيوت بها كمبيوتر ومكتبتان واحدة منهما بها كمبيوتر.

          وفي ريف أسيوط هناك 4 بيوت ثقافة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر وهناك 8 مكتبات 3 منها مجهزة بالكمبيوتر وفي المنيا قصر ثقافة واحد في المدينة وبه كمبيوتر و10 بيوت ثقافة في القرى 3 منها بها كمبيوتر  وليس بالمنيا ريفا وحضراً أي مكتبات .

          وفي سوهاج 4 قصور للثقافة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر و10 بيوت ثقافة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر ومكتبتان .

          وفي الوادي الجديد 3 قصور ثقافة 2 منها مجهزة بالكمبيوتر وبيت واحد للثقافة ومكتبة واحدة بها كمبيوتر ، وفي ريف الوادي الجديد 10 بيوت للثقافة واحد منها به كمبيوتر و3 مكتبات 2 منها بها كمبيوتر .

          وفي قنا قصران للثقافة في المدينة بها 2 كمبيوتر ، و7 بيوت ثقافة 3 منها بها كمبيوتر و7 بيوت ثقافة 3 منها بها كمبيوتر وفي الريف 2 قصور ثقافة و2 بيوت ثقافة واحد منها به كمبيوتر و6 مكتبات 3 منها بها كمبيوتر.

          وفي الأقصر 3 قصور للثقافة و3 بيوت للثقافة واحد منها به كمبيوتر ومكتبتان .

          وفي أسوان قصر ثقافة واحد في المدينة 2 منهما بهما كمبيوتر و7 بيوت للثقافة 2 منهما مجهزان بالكمبيوتر و4 مكتبات 3 منها بها كمبيوتر ، وفي ريف أسوان هناك قصر ثقافة واحد وبيت ثقافة واحد به كمبيوتر و7 مكتبات واحدة منها بها كمبيوتر .

          وفي البحر الأحمر هناك قصر ثقافة واحد وبه كمبيوتر و3 بيوت ثقافة و4 مكتبات 2 منها بها كمبيوتر ، وفي ريف المحافظة هناك بيتان للثقافة.

          وفي الدقهلية هناك 2 قصر ثقافة واحد منها به كمبيوتر وبيتان للثقافة ، وفي ريف الدقهلية 19 بيتاً للثقافة 6 منها بها كمبيوتر ، وهناك 17 مكتبة 4 منها بها كمبيوتر .

          وفي محافظة دمياط 5 قصور ثقافة 3 منها بها كمبيوتر ، و3 بيوت ثقافة وهناك 11 مكتبة في ريف المحافظة واحدة منها فقط بها كمبيوتر.

          وفي كفر الشيخ هناك 4 قصور ثقافة و8 بيوت ثقافة 2 منها بها كمبيوتر ومكتبة واحدة . وفي ريف كفر الشيخ هناك 5 بيوت ثقافة و6 مكتبات .

          وفي محافظة الشرقية هناك 6 قصور ثقافة 2 منها بها كمبيوتر ، و7 بيوت ثقافة ومكتبتان ، وفي ريف المحافظة هناك قصر ثقافة واحد و4 بيوت ثقافة و4 مكتبات .

          وقصور وبيوت الثقافة ـ على قلتها ـ هي مراكز الإشعاع الثقافي الرئيسية في الريف المصري ومعظمها في حالة يرثى لها من حيث تداعي البناء أو محدودية النشاط ، وكان من المفترض أن يكون هناك قاعة للعرض السينمائي في كل قصر وبيت لكن غالبية البيوت والقصور الآن تفتقر إلى مثل هذه القاعات وتجهيزاتها .

          وإذا شئنا أن نتعرف على علاقة الفلاحين بالتكنولوجيا الحديثة فإن  في شح أعداد الكمبيوتر التي جرى وضعها في القصور والبيوت هو خير دليل على تدني هذه العلاقة .

          وحين أجرى الدكتور " أحمد نوار " أثناء شغله لموقع رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة مسحاً شاملاً لأوضاع القصور والبيوت قدر أن الهيئة تحتاج إلى ملياري جنيه للإصلاح والترميم ، وبطبيعة الحال بقيت أوضاع البيوت والقصور كما هي .

          وما يزال الطريق أمامنا طويلا لنحقق حلم " صلاح جاهين " تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا ، هذا الحلم الذي يحتاج لا فحسب لسياسات جديدة وإنما لرؤية جديدة يبلورها " عريان نصيف " أحد مؤسسي اتحاد الفلاحين والمسئول عن مكتب الفلاحين في حزب التجمع في كتابه " مأساة الفلاحين في زمن الانفتاح " " الحرص ـ رغم وحدة ضفيرة الزراعة والفلاح ، أن يكون الفلاح هو الأساس في عرض المشكلة وطرح آفاق حلها من منطلق أن الإنسان ، وليس إنتاجه وأدواته هو جوهر كل قضية " .

         

 

 

 

 

 

مركز الأرض : 76 شارع الجمهورية شقة 67 ـ الدور الثامن بجوار جامع الفتح ـ الأزبكية -القاهرة

      ت:27877014     ف:25915557 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.">عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.:    بريد إلكترونىwww.lchr-eg.orgموقعنا على الإنترنت

http://www.facebook.com/pages/Land-Centre-for-Human-Rights-LCHR/318647481480115صفحتنا على الفيس بوك:  :

صفحتنا على تويتر : https://twitter.com/intent/user?profile_id=98342559&screen_name=lchr_eg&tw_i=321605338610688000&tw_p=embeddedtimeline&tw_w=321586199514976256

سكايب    :   land.centre.for.human.rights

 



[1] هذه الورقة قدمت بورشة " الحقوق الثقافية للفلاحين" التى عقدها مركز الأرض يوم الخميس الموافق13 /6 /2013 ونظراً لأهميتها فان المركز يعيد نشرها ضمن هذه السلسلة