حقوق العمال المهاجرين

خلال الخمسين عاماً الماضية ومع تزايد مشكلات الفقر والبطالة فى بعض البلدان النامية ، وبسبب احتياج البلدان الغنية للايدى العاملة الرخيصة لتنمية اقتصادياتها ، حرصت الدول النامية على تصدير العمالة كمصدر من مصادر الحصول على العملات الاجنبية التى تحتاجها حيث تعد عوائد العاملين بالخارج ثانى اكبر مصادر التمويل الخارجى للبلدان النامية
ويتعرض العمال المهاجرون الى ابشع انواع الاستغلال والحرمان من حقوقهم الانسانية خاصة الحقوق التى يتمتع بها زملائهم العمال من مواطنى البلدان المضيفة ، وعادة ما يحرمون من الحماية القانونية ممارسة العمل النقابى، ويزيد عدد العمال المهاجرين سنوياً عن حوالى ستة ملايين عامل ، وقد وصل عددهم الى 175 مليون عامل مهاجر ، وتشكل النساء منهم نسبة 49% وتزداد اعداد النساء اللواتى يسافرن بمفردهن لانهن مصدر الرزق الاساسى لعائلتهن ، كما تتراوح نسبة المهاجرين بشكل غير قانونى حيث تتراوح نسبتهم بين 10-15% من اجمالى اعداد المهاجرين ، وحسب منظمة الهجرة فان حجم الهجرة غير القانونية فى دول الاتحاد الاوروبى تصل لنحو 1.5 مليون مهاجر ويعتبر هؤلاء العمال الذين لا يحوزون اوراق قانونية للهجرة والعمل فى البلدان المضيفة حيث يتعرضون الى معاملة اسوأ وإهدار اكبر لحقوقهم فغالباً يرفضون التقدم بطلب لحماية القانون أو اللجوء للسلطات خوفاً من السجن أو الترحيل أو كلاهما معاً . وعادة ما يقوم العمال المهاجرون بشكل غير قانونى بالاعمال المتدنية أو الصعبة أو الخطرة ، وتتعرض النساء منهم للاستغلال اكثر من الرجال، حيث تستخدم النساء المهاجرات فى الغالب فى الخدمة المنزلية وخدمات الترفيه وتجارة الجنس، وكثيراً ما يتعرضن للمضايقات الجنسية والاغتصاب فى البلدان المضيفة بدون أى حماية
ويتعرض من ينزلقون فى الاعمال والانشطة الاجرامية كالتهريب والمخدرات والدعارة لايذاء أكثر من بقية زملائهم من العمال ، كما يتم احياناً استدراج الفقراء والفقيرات فى الدول النامية بالاعلان عن فرص عمل غير حقيقية الى بلدان المهجر لاستخدامهم فى اعمال محظورة أو للعمل الجبرى أو الاتجار فيهم
فى نفس الوقت تتضمن هجرة اليد العاملة عمالاً يتمتعون بمجموعة من المهارات قد تؤدى الى ان تعانى بلدان تصدير الهجرة من نقصانها وهو يعتبر نوعاً من " نزيف الادمغة" فى حالة هجرة اصحاب الخبرة (يعمل حوالى 400 الف عامل ومهندس من البلدان النامية فى مجالات الابحاث والتنمية فى البلدان الصناعية ).
وقد اصدرت الجمعية العمومية للامم المتحدة توصية بوضع اتفاقية لحماية حقوق العمال المهاجرين ،وتم بناء على ذلك اصدار " الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وافراد اسرهم" فى سنة 1990 واعطت الاتفاقية للعمال المهاجرين بجانب حقوقهم المدنية والسياسية ، وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، حقوقهن فى تطبيق معايير العمل الدولية عليهم ، وحقوقهم فى المشاركة فى الانشطة النقابية، والضمان الاجتماعى والرعاية الصحية ، ونقل ممتلكاتهم ومدخراتهم عند انتهاء فترة عملهم والمساواة فى كل ذلك بما يتمتع به مواطنو الدولة . وتطبيق هذه المبادئ خلال كامل عملية هجرة العمال وافراد اسرهم، بما فيها التحضير للهجرة والمغادرة والعبور وفترة الاقامة بكاملها ومزاولة العمل باجر فى دولة المهجر وحتى العودة الى دولة الاقامة الاصلية.
وعكس ما يشاع ، فالعمال المهاجرون لا يمثلون عبئاً على البلدان المضيفة ، بل عكس ذلك هو الذى يمكن اثباته ،فقد احتسبت الحكومة البريطانية ان العمال المهاجرون المقيمون فى المملكة المتحدة قد اضافوا 4 مليارات دولار امريكى صافية الى الميزانية البريطانية خلال عامى 1999/2000 ، اى أنهم دفعوا ضرائب وساهموا فى الضمان الاجتماعى اكثر مما حصلوا على منافع ، وفى المانيا تؤكد دراسة اجراها معهد البحوث السياسات العامة ان المهاجرين قد ساهموا فى الخزينة العامة باكثر من 10%. وفى اسبانيا ثبت ان اكثر من 25% من دخل البناء كان من العمال المهاجرين، وفى الولايات المتحدة الامريكية انتج العمال المهاجرون دخلاً قومياً اضافياً بلغ 8 مليار دولار امريكى خلال عام واحد، وتؤكد دراسة لمنظمة العمل الدولية ، انه بدون الهجرة سوف تنخفض مستويات المعيشة الاوروبية فى عام 2050 الى 78% مما هى عليه اليوم.ومع ذلك فالمهاجرون معرضون بشكل خاص لانتهاك حقوقهم النقابية وحقوق العمل، حيث تعتبر ظروف عمل عدد كبير من المهاجرين استغلالية وسيئة، وقد تتميز بالعمل الجبرى والاجور المنخفضة وبيئة عمل رديئة وغياب للحماية الاجتماعية ، والتمييز وكره الاجانب ، اضافة الى الاقصاء الاجتماعى
لذلك فعلى الحكومات احترام الحقوق الانسانية للعمال المهاجرين ، وتطبيق مبادئ المساواة فى الفرص والمعاملة ، ومعايير العمل الاساسية فى البلدان المضيفة ، وفى نفس الوقت الذى يجب العمل فيه على توفير فرص العمل اللائقة فى البلدان النامية ، حيث ان غياب ذلك يسمح بالهجرة من الوطن الام الى الدول المضيفة
الوضع فى مصر
مع تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى مصر بسبعينيات القرن الماضى انتشرت ظاهرة الهجرة من مصر الى دول الخليج العربى واوروبا وامريكا
ومع تزايد الهجرة من دول الجنوب لدول الشمال تضاءلت فرص المهاجرين الشرعيين مما أدى مؤخراً لانتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية والتى تواكبت مع تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الانسان حيث انخفضت الاجور ومستويات المعيشة والخدمات العامة مما ادى لفقدان الامل لدى العديد من الشباب.
واصبح حلم الهجرة بالنسبة لهم الامل الوحيد الباقى ويدفعون احياناً كثيرة حياتهم ثمناً لتحقيق هذا الحلم بسبب الظروف الصعبة التى تحيط بعملية نقلهم من شواطئ الى سواحل اوروبا فى الجهة الاخرى من البحر المتوسط.
وقد تواكب مع انتشار الظاهرة ظهور عصابات وسماسرة للتسفير يحتالون على الشباب الضحايا ويستولون منهم على مبالغ كبيرة لتسهيل عملية تهجيرهم بشكل غير قانونى عبر البحر وتنتهى رحلة الشباب إما بالموت أو السجن والترحيل. ونتيجة لعدم توفر الوعي لدى هؤلاء الشباب بمخاطر الهجرة غير الشرعية يلقون حتفهم وهم في طريقهم إلى أحد الموانىء الاوروبية حيث يتم تسفيرهم على متن مراكب قديمة ومتهالكة وحتى من ينجو منهم ويصل إلى شواطئ اوروبا يعتبر مخالفاً للقوانين، ويتم إعادته مرحلاً مهاناً إلى بلده مرة أخرى. فالهجرة غير الشرعية أصبحت السوق السوداء للاتجار بالبشر.
ونحن نؤكد على ان هناك ادوار عديدة لكافة المنظمات والهيئات الحكومية وغير الحكومية لوقف هذه الظاهرة اهمها
- ضرورة التنسيق بين الوزارات والهيئات المعنية لإعداد خريطة عن سوق العمالة المطلوبة خارج مصر والتى تتناسب مع خبرات وامكانيات الشباب الراغبين فى السفر مع تأهيل وتدريب هؤلاء الشباب للحصول على فرصة عمل قانونية وشرعية بدول المهجر
- تقنين أوضاع المصريين المهاجرين كهجرة غير شرعية وبما يخدم الأوضاع الاقتصادية لكل من دول المهجر وبلادنا ولوقف عملية الاتجار بالبشر سواء فى اوروبا أو بلادنا وذلك من خلال تفعيل آليات تعاون اقتصادى واجتماعى وقضائي وتشريعي ، وفي إطار الاحترام الكامل لحقوق المهاجرين وحقهم فى التنقل والعمل اللائق الكريم
-توسيع دائرة الاتفاقيات الثنائية والإقليمية بين مصر ودول الإتحاد الأوروبي والسعي للوصول إلى أفضل الأطر التي تسهم في استقرار أسواق العمل والهجرة في الدول الأوروبية. على ان تكون مرجعية هذه الاتفاقيات مواثيق واعلانات واتفاقيات منظمة العمل الدولية وحقوق الانسان
- ضرورة التعاون المشترك بين وزارة الهجرة وباقى الوزارات لتنفيذ مشروع حملة قومية لتشغيل الشباب المصرى الراغب بالهجرة وتنفيذ مشروعات قومية عبر هذه الحملة وادماجهم بها على ان يكون جزء من تنفيذها خارج حدود بلادنا للاستفادة من طاقات هؤلاء الشباب وتنمية اقتصادياتنا مع ضرورة توفير قاعدة معلوماتية عن أعداد المصريين المهاجرين بطرق شرعية وبطرق غير شرعية، وتزويد جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية بهذه البيانات وتطوير برامج فعالة لوضع حلول لمشكلات المهاجرين
- ضرورة التعاون كشركاء بين حكومات الجنوب وحكومات الاتحاد الاوروبى وحل مشكلات الهجرة دون اللجوء أو استخدام الاساليب الامنية وحدها حيث يؤدى ذلك لمزيد من الضحايا ويجب ان يتم هذا التعاون فى ضوء الحقوق الانسانية الواردة باعلان برشلونة وتحت غطاء حقوقى واخلاقى لحماية حقوق المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين فى الحياة الكريمة والامان
ان منظمات المجتمع المدنى مطالبة بالقيام بادوارها فى التوعية والتعبئة وتشكيل التحالفات من أجل حماية حقوق المهاجرين من كافة النواحى القانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وذلك للمساهمة فى صنع عالم اكثر أماناً وانسانية لكل البشر

العوده إلى القائمه