43

التجارة العادلة ضمان التنمية والمشاركة

 

فى عام 1947 عقد مندوبو 53 دولة مؤتمراً دولياً للتجارة والتوظيف بهافانا كوبا ، وتم التوقيع على اتفاقية لإنشاء منظمة التجارة الدولية ولكن الكونجرس الأمريكى رفض التصديق على الاتفاقية ولذا لم تظهر إلى حيز الوجود .
وفى نفس العام اجتمع ممثلو 23 دولة فى جنيف لإجراء مفاوضات حول التعريفة الجمركية سميت باتفاقية الجات وبلغ عدد الدول الأعضاء فى عام 1991 "96" دولة .
ولا تعتبر الجات منظمة دولية ولكنها اتفاقية بين الدول الأعضاء يتم من خلالها عقد المفاوضات التى تعمل على حل النزاعات وإزالة المشكلات التى تعوق تحرير التجارة خصوصاً فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية .
ومن أهم جولات الجات التجارية جولة أورجواى فمن نتائجها تم التوصل إلى إنشاء منظمة التجارة العالمية ، وتم تعديل الكثير من مواد الاتفاقية وادراج موضوعات جديدة فى بنودها أهمها إدخال مجال الخدمات فى التجارة الدولية والاتفاق على حماية الملكية الفكرية وتحرير تجارة السلع والمنتجات الزراعية عن طريق إزالة العوائق التى تقف فى وجه التجارة الدولية فى هذه المنتجات ، وتخفيض الدعم الذى تقدمه مجموعة الدول الأوروبية والأمريكية المتقدمة لمزارعيها والعمل على تقليص الحواجز أمام الواردات الزراعية من الدول النامية .
وقد ترتب على الاتفاقية الخاصة بالزراعة مجموعة من الاجراءات والسياسات التى تضر بالزراعة والمزارعين فى الدول النامية منها
- إن الهدف الأساسى للاتفاقية الخاصة بالزراعة يتمثل فى فتح أسواق الجنوب لنهب حقوق الفلاحين من قبل الشركات الاحتكارية الزراعية حيث أن فتح الأسواق بدون شروط عادلة للمنافسة يقضى ضمنا باغلاق سبل الرزق أمام الفلاحين .
- اتفاقية منظمة التجارة العالمية للزراعة هى اتفاقية للاستثمار الزراعى تشوه الانتاج والتجارة دون مراعاة مصالح صغار المزارعين وكافة المستهلكين خاصة الفقراء منهم .
- تقدس اتفاقية منظمة التجارة العالمية الخاصة بالزراعة مفهوم تحرير التجارة على اعتبار أنه يسمح بتوزيع الغذاء بكفاءة لكن الحقيقة أنه بدون الدعم الضخم وسياسات الاغراق لا يمكن للشركات الكبرى أن تستولى على أسواق الجنوب ، وأن حرية التجارة تقوم على أساس مقايضة الغذاء مع بلاد تستورد وتصدر نفس السلعة شرط أن تجبر كل الدول على التجارة فى حفنة محدودة من السلع تسيطر عليها الشركات الزراعية العملاقة ، وليس تصدير ما يستطيع كل بلد إنتاجه بشكل متميز واستيراد ما لا يستطيع إنتاجه
- أدى هذا النظام إلى انهيار دخول فلاحين دول الجنوب بسبب سياسة الاحتكار الزراعى التى تتبعها الشركات الكبرى .
- أن قواعد منظمة التجارة تشوه التجارة برمتها ولذلك تدعو الحركات الاجتماعية على المستوى العالمى إلى نزع قضايا الزراعة من قواعد منظمة التجارة العالمية وسعى حكومات الجنوب لاستثنائها من هذه القواعد المشوهة للتجارة والتى تشجع على الإغراق والقضاء على صغار المزارعين ومع ذلك فقد شهدت الفترة من 1995 إلى عام 2001 تصاعد معدلات الإغراق فى القمح من 23% إلى 44% ، كما قفزت معدلات الإغراق فى فول الصويا من 9% إلى 29% وفى الذرة من 11% إلى 33% وفى القطن من 17% إلى 57% .
ومع إجبار البلدان الفقيرة على إزالة القيود المفروضة على الصادرات وتخفيض التعريفات الجمركية مقابل أشكال الدعم المرتفعة والمستويات العالية للإغراق من جانب البلدان الغنية ، تعرض المزارعون الفقراء فى البلدان الفقيرة للدمار فى الوقت الذى يشكل فيه أولئك المزارعون الأساس فى تحقيق السيادة على الغذاء فى الجنوب .
ومن هنا أصبحت الحاجة ماسة لوجود نصوص تضعها الشعوب حول التجارة فى اتفاقية الزراعة فالطعام هو الأهم من بين احتياجات الشعوب والزراعة هى وسيلة كسب الرزق لثلاثة أرباع البشرية ، وليس من العدالة أن يتم صياغة مستقبل الطعام والزراعة باتفاقيات مكتوبة بطريقة غير ديمقراطية تفرض على شعوب وحكومات العالم وبدلا من ذلك يجب إعادة كتابة أحكام التجارة فى الزراعة على أساس مبادىء سيادة الغذاء والاستدامة والعدالة وحماية البيئة والصحة العامة .
إن الطعام ليس مجرد سلعة مثل السيارات والثلاجات تنتجها الشركات كيفما شاءت دون أن يحدث ذلك فرقاً أما الطعام فهو احتياج حيوى وحق أصيل للانسان وهو تجسيد للثقافة والطبيعة ، والزراعة نشاط متعدد الوظائف وعلاقاتها متبادلة بشكل كبير مع قطاعات أخرى كثيرة منها : المحافظة على التربة والمياه والتنوع البيولوجى ، وهى مانحة الرزق للمجتمعات الريفية ومنابع الثقافة ومصدر احتياج حيوى وأساسى ولا يمكن أن تتأسس الأحكام حول التجارة فى المحاصيل الزراعية على قواعد تحرير التجارة ، إذا ما كان واجباً حماية سبل الرزق فى الريف والبيئة والصحة العامة والتنوع الثقافى .
وكان من المفترض أن تضع منظمة التجارة العالمية اللوائح المنظمة لضمان العدالة فى التجارة الدولية لكن اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول المنتجات الزراعية تتأسس على غياب العدالة فتتدخل فى السياسة الداخلية للدول من خلال المواد الخاصة بالدعم المحلى للمزارعين وهذا لا يدمر ويهدد سبل الرزق للفلاحين فقط ولكنه ينسف توزيع السلطات على المستويات المحلية والاقليمية والقومية .
وتعترض منظمة التجارة العالمية على أهداف الزراعة المستدامة والأمن الغذائى من خلال أحكام الدعم المحلى للزراعة وتنتهك الدساتير القومية التى تشكل الزراعة فى ظلها إحدى الركائز التى تحقق الاستقرار المجتمعى .
وبينما تدعى منظمة التجارة العالمية أنها حققت تقدما فى تقليل الدعم الذى تقدمه الدول الغنية لمزارعيها زادت فاتورة الدعم المالى المقدم للمزارعين فى الدول المتقدمة 83 مليون دولار مما يهدد سبل الرزق لفلاحى العالم الثالث وطبقاً للبنك الدولى تكلف أسعار القطن الامريكى المنخفضة بسبب الدعم الحكومى للمزارعين الأمريكيين ، البلدان الافريقية سنوياً 25 مليون دولار سنوياً .
والخطر المحدق الآن أنه لو فتحت أبواب المنافسة العالمية في الزراعة بدون وضع شروط عادلة للتجارة سيعجز عشرات الملايين من الفلاحين في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية عن الإنتاج بسبب التفاوت في إنتاجية الزراعة بين أوروبا وأمريكا ودول العالم النامى فالفارق في الإنتاجية بينهما تصل نسبته من 10الي 1%ومعنى ذلك أن تتوقف الزراعة الوطنية تماما، وأن تجري تصفية الحياة الريفية في العالم الثالث، مع العلم أن 60% من سكان العالم ما زالوا ريفيين، ولن تستطيع حركة التصنيع في العالم مهما كانت درجة نجاحها أن تستوعب ملايين البشر خلال قرن أو قرنين من الزمان، ناهيك عن أنه لن يكون هناك بلد مستقل ذاتيا في غذائه، وبالتالي لن يكون هناك استقلال سياسي لشعوب العالم الثالث.
عدالة التجارة يجب أن ترعى الاختلافات ودرجة التطور
إن التاريخ الطويل للمجتمعات يُنبئنا بأن ثورة زراعية ما سبقت الثورة الصناعية فى أوروبا إلا أن هذه الثورة الخضراء الأولى التى حصلت فى القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت قد بلغت مداها عندما وفرت الثورة الصناعية للزراعة وللمزارعين وسائل إنتاج أكثر فعالية وسلعاً استهلاكية بأسعار أفضل ، الأمر الذى حفز الموجه الثانية من التقدم الزراعى والتى جعلت من البلدان الأكثر تصنيعاً صاحبة الزراعة الأقوى ، خاصة فى قارة أوروبا وأيضاً على الصعيد العالمى أضف إلى ذلك أن هذا التقدم قد تم فى مرحل كانت تتمتع فيها أوروبا بالامكانية الاستثنائية لتصدير مزارعيها الفائضين لإعمار القارة الأمريكية ، كما كانت فى وضعية آمنة تماماً إزاء حضارات الكوكب الأخرى مما مكن شركاتها من السيطرة على الأسواق العالمية.
هذا المسار التاريخى لا يمكن تكراره فكيف يمكن أن نطبق اتفاقيات التجارة على كل الدولة دون مراعاة هذا المسار التاريخى ؟. فمنذ أواسط القرن التاسع عشر انقسمت الدول ما بين بلدان مصنعة وأخرى زراعية والملاحظ أن معدل زيادة استيراد المواد الغذائية فى هذه الأخيرة كان يسير بالتوازى مع معدل زيادة دخل الفرد . هذا يعنى ان النمو المستمر يتطلب التصنيع ، ذلك أن معالجة العجز الزراعى لابد أن تأتى فى مرحلة ثانية ولكن ذلك غير ممكن تطبيقه إلا إذا كانت عملية التصنيع منذ بدايتها الأولى قادرة على غزو أسواق خارجية لدفع فواتيرها خاصة المتعلقة بالغذاء .
إن مثل هذا التطور ليس واقعياً اليوم كى نتحدث عن شروط منافسة عادلة خاصة بالنسبة لمجموع بلدان العالم الثالث ، وهذا ما حدا بالبنك الدولى إلى اقتراح أطروحة " الأفضلية الزراعية " الشهيرة إلا أن هذه الأطروحة تعنى ببساطة بالنسبة لدول العالم النامى السير فى طريق مسدود . لأن مثل هذه الأطروحة لن تقلص الفروقات فى مستويات المعيشة بين البشر ( هذا الهدف لا تقبله الدول الكبرى التى يجب أن تدفع جزء من الثروات التى نهبتها لتطبيقه ، بدلاً من عمليات الابادة والحروب التى تختلقها لمعالجة الخلل فى سياسات التجارة الحرة ). إن هذه " الأطروحة - الأفضلية الزراعية " تهدف إلى الابقاء على هيمنة الغرب على العالم مهما كان الثمن وعندما ثبت أنه لا يمكن تطبيق ذلك اقترحت منظمة التجارة لدول العالم النامى " السير على قدمين " ، أى تنمية للزراعة مع صناعة متطورة فى مرحلة أولى ، إلا أن مثل هذه الاستراتيجية للتنمية لا يمكن تنفيذها فى عالم تحكمه قواعد السوق ويتم تطيقه بالقوة على الدول التى ترفض السير فى طريق التنمية المستحيلة التى تفرضه قواعد منظمة التجارة
إن مؤسسات المجتمع المدنى مطالبة بمزيد من التحركات والمطالبات والضغط على الحكومات خاصة فى دول الشمال بضرورة مراعاة التوازن فى تطبيق قواعد وشروط التجارة الحرة بين دول الشمال والجنوب وأعمال مبادىء التجارة العادلة لكفالة حقوق الشعوب فى الغذاء والعمل والحياة الكريمة .
كما يجب أن تقوم المنظمات بدعم وتوعية المواطنين والسلطات فى بلادنا كى يكفل للمزارعين الحق فى انشاء روابطهم وجمعياتهم المستقلة حتى يستطيعوا المنافسة فى عالم تحكمه اقتصاديات السوق وقيم الارباح وذلك من اجل بناء عالم أفضل أكثر عدلاً وانسانية يكفل لكل البشرية الأمان والحرية والمساواة .

العودة إلى القائمة