41

التنوع الحيوى .... ضمان استمرار الحياة

 

التنوع يعنى الحياة ... يعنى الاختيار ... يعنى المحافظة على المستقبل ... يعنى احترام مواردنا وقدرات الاخرين .
إن مفهوم التنوع الحيوى يعنى أننا لم نرث البيئة .. بل أننا استعرناها من اجدادنا وواجبنا الحفاظ عليها سليمة لتسليمها إلى الأجيال القادمة . وفى الزراعة يعنى التنوع الحيوى إنتاج مزيد من الغذاء الأفضل والنظيف والسليم والكافى للجميع ... إن فقد التنوع الحيوى خطر لا يمكن مواجهته فى المستقبل لانتاج غذاء كافى وسليم لجميع البشر
إن الانتاج الزراعى مهدد اليوم بسبب إهدار التنوع لأن البشرية تعتمد بشكل أساسى على 3% من أصل 250.000 صنف نباتى متاح للانتاج الزراعى وعبر آلاف السنين أدت عملية التجريب التى قام بها المزارعين لانتاج مشاتلهم وبذورهم الطبيعية إلى انتاج مئات الآلاف من البذور الصالحة لانتاج الغذاء الكافى والسليم ، وكان نتيجة ذلك انتاج نظام حيوى مرن ومختلف يلبي احتياجات المجتمع ومع ذلك فإننا فى الوقت الحاضر نزرع حوالى 150 نوع نباتياً منها 12 نوع يؤمن ثلاثة أرباع غذاء العالم
ومع ذلك فإن محاولات استنباط بذور محصنة تنتج الغذاء بكميات وفيرة نجحت فى توفير الغذاء للملايين من الناس لكن هذه السياسات أسهمت فى فقد أنواع معينة من البذور كما أن الآثار السلبية المختلفة على الانسان والأرض ومختلف نواحى الحياة نتيجة إنتاج هذه البذور المحصنة ذات الانتاج الوفير تشكل مخاطر عديدة لم يتم معالجتها
وترجع كثيراً من الدراسات إلى أن الكثير من الأمراض الجديدة التى ظهرت فى عصرنا تعود إلى هذه البذور المحصنة ،والتى تهدد حياة الانسان وانتاج الغذاء الكافى والسليم
مفهوم التنوع الحيوى الزراعى
يشتمل التنوع الحيوى الزراعى على مجموعة من المكونات أهمها
– النظم البيئية الزراعية وأصناف محصولية ومورثات وأنواع نباتية متنوعة تحمى التنوع الحيوى الزراعى وحياة الإنسان وتوفر مستلزمات متواصلة للتطور ، وتزيد الطاقة الانتاجية للنظم البيئية فإذا أخفق التنوع الحيوى الزراعى أضعفت مرونة النظام البيئى وأصبح غير قادر على التعامل مع التغيير ، وعندما يحدث ذلك ، تواجه المجتمعات المزيد من الخيارات المحدودة فى إدارة أراضيها ومواردها ، وتتجلى النتيجة النهائية فى إضاعة الفرص المتاحة لخلق وإعادة معارف وتجارب المزارعين
– إن استمرار فقد التنوع أمر خطير . وإن مشاركة المزارعين هى الضمان الوحيد لمعالجة هذا الخطر وأكثر الطرق فعالية لمعالجة فقد التنوع الحيوى الزراعى تتمثل فى التركيز أولاً على أهمية موارد التنوع الحيوى فى معيشة الناس ولاسيما فى المجتمعات المهمشة حيث تبلغ النزاعات والمنافسات حول الموارد صراعات ومنازعات شديدة . كما يجب أن تمنح هذه المجتمعات الفرصة للمشاركة على قدم المساواة فى تعزيز الاستخدام المستدام للتنوع الحيوى الزراعى وذلك عبر الآتى
- تشجيع استخدام وصيانة وتعزيز المعارف والابتكارات وممارسات المجتمعات الأهلية والمحلية لحفظ التنوع الحيوى واستخدامه المستدام
- تطوير حوافز وأساليب وسياسات تسهل وضع خطط لحفظ وتعزيز التنوع الحيوي الزراعى ومشاركة المجتمعات فى تصميم تلك الخطط وتنفيذها
- دعم عملية خلق سياسات وتشريعات تقر بحقوق المجتمعات الاهلية والمحلية فى المصادر الوراثية وبالتالى مشاركتها بشكل منصف وعادل بالمنافع الناجمة عن استخدام هذه المصادر
ولكن السؤال الاساسى لماذا نفقد التنوع الحيوى ونفقد جزء من ثرواتنا من البذور الطبيعية ؟ أن الاجابة تكمن فى تقنيات العلم الحديث خاصة فى مجال الهندسة الوراثية التى تعرف بأنها القدرة على عزل جين من كائن حي ونقله إلى كائن حي آخر، وبذلك يتم تخليق نباتات وحيوانات مهجنة جينياً " تمتلك المميزات المرغوبة "
وتعتبر الهندسة الوراثية أداة قوية تحمل فى طياتها آمالاً كبيرة للطب والزراعة والصناعة والأمن الغذائى والبيئة, حيث تقدمت الأبحاث بدرجة كبيرة منذ أواسط السبعينيات من القرن العشرين لدرجة انتشار الحديث عن "ثورة الهندسة الوراثية"، ومع ذلك هناك مخاطر كبيرة تثير الكثير من المسائل الحساسة: أخلاقياً وقانونياً واجتماعياً، وكذا مسائل متعلقة بمدى أمانها الحيوي.
وحيث أن الأساس الذى تقوم عليه الهندسة الوراثية هو التنوع الأحيائى اللانهائي الموجود فى كل الكائنات الحية ، والظواهر الأساسية فى هذه العملية هى الانفصال والتغيير ثم إعادة تجميع الجينات، وهذه العمليات الثلاث معاً تولد فرصاً للتنوع الجينى الهائل فى الكائنات الحية.
وفى الماضى ومنذ أكثر من عشرة آلاف عام قام الفلاحين وبشكل تلقائى وحسب احتياجات المجتمعات بإنتاج تنوع جيني أدى إلى تمكين الإنسان من اختيار نباتات مثل: القمح والشعير والأرز من النباتات البرية لزراعتها, ثم أعقب ذلك تحسين لهذه المحاصيل عن طريق الانتقاء من التنوع الذى ينتج بشكل طبيعى.
ومنذ بداية القرن العشرين استخدمت تقنيات التهجين المخطط، ثم أسلوب إدخال التغيرات الوراثية والبيولوجية بهدف تخليق تكوينات جديدة " التعديل الوراثى " وأصبح التهجين -أيضاً- أسلوباً لزيادة نمو المحاصيل والحيوانات، وهى ظاهرة تعرف بالتنشيط التهجينى.
وقد اعتمدت تربية النباتات بالطرق التقليدية على ملاحظة ومتابعة الاختلافات الوراثية داخل كل عشيرة، والانتخاب لسنوات عديدة أو بعمل تهجينات بين النباتات المتشابهة بغرض الحصول على أصناف متميزة فى بعض الصفات.
بينما تتركز معظم الأبحاث الجارية الآن فى المعاهد والمختبرات على إنتاج أنواع جديدة من النباتات والتقاوي القادرة على مضاعفة الإنتاج، والملائمة فى نفس الوقت للظروف البيئية المحلية، وذلك باستخدام الهندسة الوراثية. التي تختص بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحذف مقاطع منها وإضافة مقاطع أخرى، بغرض إعادة تشكيل أو صياغة الخلية أو الكائن باستخدام الإمكانيات الوراثية للكائنات الأخرى المتاحة لإضافة صفات لم تكن موجودة من قبل, حيث تم تخليق أول نبات معدل جينياً فى عام 1982م، ومنذ ذلك الوقت تم تعديل عشرات من النباتات لزيادة إنتاجيتها ومقاومتها للفيروسات ومسببات المرض الأخرى. وفى 1994م أجريت مئات من التجارب على النباتات المعدلة جينيًا فى أوربا وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا.
وبالرغم من أن هذه الطرق قد أنتجت أصنافاً عالية الغلة من القمح والأرز والشعير، إلا أنها أجبرت المزارعين على التخلي عن عدد كبير من الأصناف المحلية وقريباتها البرية. وقد أدى هذا التنميط الوراثى فى مجال الزراعة إلى القضاء على قدرة المحاصيل التقليدية على التلاؤم مع بيئات طبيعية مختلفة وظروف نمو متباينة، فخسرت البشرية حوالي 75% من التنوع الوراثى للمحاصيل الزراعية منذ بداية القرن العشرين, مع أن العالم يحفل بأنواع نباتية هائلة لم تستغل بعد، فهناك على الأقل أكثر من ثلثمائة ألف نوع من الفواكه الاستوائية عالية القيمة الغذائية , فى حين لا تحتوي قائمة طعام البشرية إلى الآن إلا على عدد محدود فقط من الأنواع النباتية المعروفة، حيث يشكل فقدان التنوع هذا أو ما يسمى باندثار الموارد الوراثية تهديداً عالمياً يحدق بالزراعة وبمستقبل البشرية.
مخاطر الهندسة الوراثية
الهندسة الوراثية تلعب دوراً كبيراً لحل مشكلات البشرية من احتياجات استهلاكية ، بالإضافة إلى تسهيل فهم كثير من الأمراض الطبية والعلمية, ولكن هناك تخوفات كبيرة من أن تكون شرارات الحروب فى المرات القادمة وأدواتها الجديدة وليدة هذا العلم، وتكون الأدوات والأساليب قد شكلتها نظريات واختراعات الهندسة الوراثية.
فهندسة الجينات كعلم حديث سلاح ذو حدين: فكما أمكن استخدامه فى العديد من المجالات المفيدة للإنسان يمكن استخدامه لتدمير الحياة على سطح هذا الكوكب.
وفي مجال الغذاء تظهر خطورة الهندسة الوراثية في المحاصيل المختلفة ولا سيما حبوب القمح، حيث يمكن أن يتم تطعيمه بجينات مرضية محددة ومبرمجة لإصابة الطاقم الوراثى البشرى فى حالة الحبوب المعدة للاستخدام الآدمي، أو إنتاج نباتات قمح يسمح محتواها الجينى بإكثار الآفات التى كانت تلقى مقاومة شرسة من الطاقم الوراثى للقمح المحلى، وذلك يعني أن بكتريا واحدة أو حبة قمح واحدة ستصبح أخطر من مائة طائرة، وستفعل ما ستفشل فيه جيوش جرارة.
مما يستدعي من المجتمع الدولى وقفة لتقنين العمل داخل مراكز بحوث الهندسة الوراثية للوصول إلى نتائج تفيد الإنسان ولا تضره، لتكون الحقيبة الجينية الأداة لتخليص البشرية من ويلات الأمراض المستعصية. والأمل فى علاج الأمراض الوراثية وتوفير الغذاء لملايين الأفراد الجائعة، لا أن تكون أداة لتدمير الإنسان أو القضاء على مجموعات بشرية غير مرغوب فيها
وهناك مخاوف بيئية وصحية ، وتتمثل فى إنتاج الأعشاب بالصدفة، كذلك الخوف من انتقال بعض الجينات للأعشاب مثل مقاومة مبيدات الحشائش والحشرات، وقد ثبت أن هذا ليس قاصراً على نباتات الهندسة الوراثية بل إنه قد يحدث أيضاً فى النباتات غير المعدلة وراثياً، هذا بالإضافة إلى أنه تم وضع إستراتيجية لمنع انتقال الجينات للأقارب العشبية, كما أن انتقال الجينات للكائنات الدقيقة فى التربة " فى تركيبة التربة " قد يؤثر على مستقبل البشرية . حيث إن نقل الجينات إلى النباتات يستلزم استخدام الناقل الوراثى ويحتوى بالإضافة إلى الجين المرغوب نقله على جينات أخرى مقاومة للمضادات الحيوية مثل: جين مقاومة الأمبسلين، والكاناميسن، وجين لمتابعة كفاءة عمل الجين المرغوب.
وقد أثارت جينات مقاومة المضادات الحيوية مخاوف من انتقالها إلى أمعاء الإنسان بعد تناوله النباتات المعدلة وراثياً, مما يؤدى إلى أن تصبح البكتريا الموجودة فى معدة وأمعاء الإنسان مقاومة للمضادات الحيوية، والآثار المترتبة على ذلك هى فشل المضادات الحيوية التى يصفها الطبيب فى علاج الأمراض التى قد تصيب الإنسان، مما يستدعي البحث عن جيل آخر من المضادات الحيوية، وهى عملية شاقة تستغرق وقتاً وجهداً وأموالاً طائلة.
ومن المخاوف المثارة أيضاً أنه حتى وإن لم يتناول الإنسان النباتات المعدلة، فهو لا يزال عرضة لدخول هذه الجينات إلى جسمه وغذائه، وذلك عن طريق استنشاق حبوب اللقاح الناتجة من هذه النباتات، أو تناول لحوم ومنتجات الحيوانات التى استنشقت حبوب اللقاح المحملة بالجينات أو تناول عسل النحل الملوث بحبوب اللقاح المحملة بالجينات، والذى تنقله شغالة النحل من أزهار النباتات المعدلة وراثياً إلى خلايا العسل. أى أننا سوف نكون محاصرين بما يسمى بالتلوث الجينى.
ورغم أن مصر دخلت حديثاً مجال الهندسة الوراثية فى مجال الانتاج الجيناتى إلا أننا نرى أن إدخال تشريعات وسياسات جديدة لدعم التنوع الحيوى أمر ضروري وذلك عبر
إضافة مواد قانونية جديدة لحماية حق مربي النبات والمشاتل الطبيعية تشجيعاً للمربين على استنباط أصناف متفوقة، ولفتح المجال للإستثمار الخاص في مجال تربية النبات وعرض تقاوي عالية الجودة بضمانات ورقابة تكفى لحماية حياتنا.
• تنظيم عملية تسجيل الأصناف بحيث تكون لجنة تسجيل الأصناف هي الجهة الوحيدة التي يتعامل معها مربوا الأصناف حالة التسجيل، وأن يوكل لهذه اللجنة تسجيل جميع الأصناف والسلالات وآباء الهجن المستخدمة تجارياً، والتي يتم تداول تقاويها في فترات التداول، وأن يتم تحديد أعضاء لجنة تسجيل الأصناف وطريقة عملها بحيث تكون فعالة ومحايدة وبعيدة عن التبعية لأجهزة استنباط وإعداد التقاوي، وأن يتم تدعيم هذه اللجنة مادياً وقانونياً وفنياً.
• حماية المزارعين من استخدام تقاوي منخفضة الجودة، وحماية منتجي وتجار التقاوي من منافسة التقاوي منخفضة الجودة عن طريق إحكام الرقابة على إنتاج وتداول التقاوي. • سرعة تسجيل جميع الأصناف المستنبطة محليا مع توصيفها التوصيف الكافي من الناحية النباتية لمنع خروج هذه الأصناف وتسجيلها في بلاد أخرى للحفاظ على حقوق المربين ، مع الإهتمام بتمييز الأصناف المسجلة سواء بالطرق المورفولوجية أو باستخدام تكنولوجيا البصمة الوراثية أو الأحماض النووية.
• إنشاء بنك قومي للأصول الوراثية لحفظ مواد الإكثار لجميع الأنواع النباتية الموجودة في البلاد وغيرها، وإنشاء مكتبة التقاوي تتضمن جميع الأصناف بالجهة المسئولة عن الإعتماد وعن اختبار الأصناف.
• توعية وتأهيل العاملين والمزارعين في مجال إنتاج وصناعة التقاوى من خلال عقد ندوات أو دورات تدريبية في مجالات فحص نقاوة الأصناف وفحص التقاوي وصحتها وبرامج الإكثار والمحافظة على الأصناف والتخزين والتسويق.
• التأكيد على مراقبة الجودة وهى مسئولية منتج التقاوي, لذلك يجب تطبيق التشريعات الصادرة ووجوب وجود جهاز لمراقبة الجودة الداخلية في كل جهة منتجة لتقليل الضغوط على جهة الإعتماد الرسمية، وبحيث يكون دورها الأساسي في الإعتماد النهائي للتقاوي وبعد إعدادها الإعداد المناسب.
• تشجيع الجامعات والمعاهد البحثية على إجراء المزيد من الأبحاث والتنسيق وتبادل المعلومات بحرية بهدف حل مشاكل انتاج التقاوى، وتدريس مواد تكنولوجيا التقاوى بالمدارس الزراعية وكليات الزراعة وقيام الجامعات بمزيد من بحوث التقاوى على مستوى الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه.
إن منظمات المجتمع المدنى فى مصر والسلطات الحكومية المختلفة مطالبين بتوعية المواطنين وخلق آليات وأطر لحماية حقوق الفلاحين فى انتاج بذور سليمة وغذاء صحى نظيف والحفاظ على مشاتلنا الطبيعية وكفالة حقوق المواطنين فى أمان الحياة وتناول الغذاء الصحى النظيف .

العودة إلى القائمة