|
33
المنتجات المعدله وراثياً
ودور المجتمع المدني فى معالجه مخاطرها
اخى الفلاح ...اختى الفلاحه
في عالم يحكمه اقتصاد السوق، تخرج الشركات المتعددة الجنسياتً المهيمنة على النظام الاقتصادي العالمي كل يوم بوسائل ومنتجات جديدة تزيد من احتكارها الرأسمالي وتعزز من حالة التبعية والفقر والاستغلال للطبقات الفقيرة في دول العالم الثالث، وتعد البذور المعد له وراثياً إحدى أهم المنتجات الجديدة نسبياً الشركات المتعددة الجنسية والتي تترك أثرها المباشر على حقوق الفلاحين الفقراء، ومن ثَمَّ تؤثر بشكل مباشر علىسلامه الغذاء و التنمية الاقتصادية المستدامة في دول العالم الثالث على وجه العموم، ومصر على وجه الخصوص. بناءً على ذلك، إن إشكالية البذور والمنتجات المعدله وراثياً ليست بقضية تكنولوجية أو زراعية بحتة، بل هي قضية متداخلة الأبعاد، لها جوانبها السياسية والاقتصادية والقانونية والصحية. وتقع دولة مثل مصر في قلب هذه الإشكالية، حيث تتزايد فيها عاماً بعد الآخر نسبة وارداتها من البذور المعدله وراثياً نتيجة لضغوط جهات دولية بعينها مثل هيئة المعونة الأمريكية، مما يترك آثاراً على حقوق الفلاحين وعلى مسار عملية التنمية الزراعية المستدامة.
النباتات المعدله وراثياً أو المحورة جينياً هي تلك التي تتدخل الهندسة الوراثية في عملية إنتاجها من حيث إحداث تعديلات جينية في البذور والتقاوي التي تنمو عنها، وذلك بهدف مضاعفة كمية المحصول الناتج أو تحسين شكل وحجم ثماره. وينطبق التعريف ذاته على الحيوانات والأسماك المهجنة وراثياً والتي تتدخل الهندسة الوراثية في تعديل المعلومات الوراثية في شريط ال DNA الخاص بها بغرض تحسين حجم وشكل الإنتاج.
ويتم الترويج عالمياً للبذور المعدله وراثياً بدعوى أنها سوف تحل مشكلة الغذاء في العالم الثالث، فعلى سبيل المثال قامت منظمة الفاو بإصدار العديد من التقارير التي تعزز من فكرة نشر استخدام تلك البذور لأنها تؤدي لزيادة حجم الإنتاج السنوي، كالتقرير الذي صدر عام 2004 قامت بإصدار تقرير بعنوان "التنوع التكنولوجي الزراعي: هل يلبي احتياجات الفقراء" يقوم بالترويج للهندسة الجينية للبذور تساند فكرة أن التحوير الجيني هو أحد أفضل الحلول لمشكلات الغذاء التي يواجهها المهمّشون والفقراء في العالم الثالث، وقد هاجمت جماعات الضغط العالمية المختلفة في أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة الفاو على هذا الموقف، وقال بعض الخبراء أن مشكلات الغذاء في العالم الثالث لا ينقصها الهندسة الوراثية ولكن تنقصها أشياء أخرى مثل حل مشكلة المياه في بعض المناطق وتحسين البنية التحتية في مناطق أخرى.
إذا ما نظرنا للبعد السياسي لهذه الإشكالية نجد أنها لصيقة الارتباط بقضية اقتصاد السوق العالمي وهيمنة الشركات المتعددة الجنسية عليه، في مقابل حكومات تتبنّي برامج إصلاح اقتصادي وتستجيب لضغوط ومطالب هذه الشركات. تحتكر شركات عالمية متعددة الجنسية بعينها عملية إنتاج البذور المعدله جينياً وتسويقها في دول العالم الثالث، توجد شركة واحدة فقط هي مونسانتو تمتلك تكنولوجيا بذرة الجم التي تُبذر في أكثر من 90% من مناطق العالم التي تستخدم تكنولوجيا نقل الجينات، وتقوم هذه الشركة بتمويل البحث العلمي، وتعرضت للمقاضاة من فلاحين من عدة مناطق في العالم وخاصة كندا وأوروبا حيث رفعوا قضايا ضد تلويثها للبيئة الزراعية بالبذور التي تقوم ببيعها، وهناك خمس شركات كبرى فى العالم تصنع 100% من البذور المعدله جينياً التي يتم تزويد السوق العالمي بها. وتوجد أربع دول مهيمنة بنسبة 99% على سوق البذور المحورة جينيا،ً وهي الولايات المتحدة والأرجنتين وكندا والصين.
و تعمل سياسات هيئة المعونة الأمريكية أيضا في دولة مثل مصر على نشر استخدام هذه البذور من خلال تمويل برامج البحث العلمي التابعة لوزارة الزراعة منذ تسعينيات القرن الماضي. ومن المعروف أن هيئة المعونة الأمريكية تقوم بالترويج عالمياً – بالأخص في أفريقيا وآسيا- للمنتجات المعدله وراثياً التي تنتجها معامل البحث العلمي التي تمولها الشركات المتعددة الجنسية بشكل أو بآخر. ولهيئة المعونة الأمريكية برنامجاً ضخماً للزارعة في مصر يعمل على دعم الخصخصة وتوجيه السياسات الزراعية نحو زراعة محاصيل بعينها مثل الخضر والفاكهة على حساب محاصيل أخرى مثل القمح وذلك لتأمين سوق القمح الأمريكي المدعوم في السوق المصرية، وتستثمر الهيئة في هذا البرنامج نحو 1.3 مليار دولار وتعطي نحو 2.3 مليون دولار كقروض للمزارع الصغيرة. وقد قامت الهيئة عام 1989-1990 بالتعاون مع وزارة الزراعة المصرية لإنشاء معهد بحوث الهندسة الجينية الزراعية، ويعد هذا المعهد أحد أهم معاقل مأسسة دخول المنتجات المعدله وراثياً لمصر. يوجد تعاون دائم بين هيئة المعونة الأمريكية والحكومة المصرية لتطبيق سياسات الخصخصة وحرية السوق في المجال الزراعي، مما يفتح السوق المصرية أمام البذور المستوردة. وكذلك قامت الهيئة من عام 1995 إلى 2002 بتمويل برنامج(استخدام وتحويل التكنولوجيا الزراعيه) وانصبت أهدافه على تبنّي وتحسين استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة. وتموّل الهيئة أيضاً برامج دعم حقوق الملكية الفكرية في مصر، وذلك لأجل الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للشركات المتعددة الجنسية في البذور التي تنتجها وتأمين عدم وصولها بطرق غير مشروعة للفلاحين الفقراء، ففي عام 1996 خصصت الهيئة مبلغ 5.8 مليون دولار لمشروع تقويه حكومه الملكيه الفكريه فى مصر ، وفي عام 2001 قدمت 1.4 مليون دولار أخرى لدعم المشروع ذاته.
بالإضافة لهيئة المعونة الأمريكية، توجد منظمة دولية أخرى وهي ال ISAAA أو الخدمة الدولية من أجل اكتساب تطبيقات التكنوبيولوجي الزراعي ) وهي منظمة تعمل على توصيل الابتكارات الجديدة في عالمي التكنوبيولوجي الزراعية إلى الدول النامية على وجه الخصوص بدعوى مساعدتها في التنمية الزراعية وحل مشكلة الغذاء. وقد قامت هذه المنظمة بالمشاركة مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر بإنشاء مركز المعلومات التكنوبيلوجي المصري (ابيك) وتذكر بعض المصادر أن جزءاً من المحاصيل المنتجة كعينات بحثية للتجربة في معامل وزارة الزراعة تتسرب لأطباق المصريين.
وللإشكالية أبعاد قانونية/تجارية مرتبطة بقواعد وقيود منظمة التجارة العالمية حيث توجد بالمنظمة لجنة واضعة للمعايير وبالأخص فيما يتعلق بالغذاء، وتلك اللجنة تضع قيوداً صارمة على الأغذية المعدله وراثياً، وترفض السوق الأوروبية على وجه الخصوص دخول تلك المحاصيل إليها. تدّعي بعض الجهات أن نشر البذور المعدله وراثياً يدعم سوق التصدير لأوروبا ولكن العكس هو الذي يحدث، حيث يسهم نشر هذه البذور في فقدان الدول النامية ومصر حصتها في السوق العالمية. وتستخدم الدول الأوروبية هذه القضية أيضاً كحجة لعدم تنفيذ التزاماتها طبقاً لاتفاقية منظمة التجارة العالمية لفتح أسواقها أمام منتجات الدول الموقعة على الاتفاقية، في حين تفتح مصر أسواقها الزراعية أمام منتجات تلك الدول، والخاسر الوحيد هنا هم الفلاحين الفقراء. إن الدول الصناعية المتقدمة تنتهج سبيل الزارعة الصناعية التجارية المدعومة بدعم سنوي من قبل الحكومات على حساب مئات الملايين من الفلاحين أصحاب المزارع الصغيرة في دول العالم الثالث الذين رفعت دولهم الدعم عنهم تنفيذاً لبرامج البنك الدولي والذين يزرعون للاكتفاء الذاتي وليس لديهم القدرة على الزراعة التجارية الصناعية، بل ويتحملون المزيد من الأعباء المادية والخسارة من خلال شراء البذور المعدله وراثياً.
وفي ظل هذه الأوضاع السياسية والاقتصادية والقانونية، يؤدى استخدام البذور المعدله وراثياً يؤدي لإهدار حقوق الفلاحين في إدارة مواردهم وانتاج بذورهم من مشاتلهم الطبيعيه ويفقدون الاستقلاليه فى اداره مزارعهم ويقود إلى المزيد من إفقارهم، بالإضافة للتعدّى على مسار عملية الزراعية المستدامة. يرى الكثير من المراقبين أن استخدام التقاوي المعدله في مصر قد أدى بالفعل إلى تدهور فى الناتج الزراعي والإنتاجية المحصولية وأدى لإهدار الصناعات الوطنية الرئيسية القائمة عليه. كذلك يؤدي استخدام البذور المعدله لعدم استقرار غذائي نظراً للاعتماد على ما يأتي من مصادر خارجية لا يستطيع الفلاح توفيرها لنفسه. يوجد نوع معين من التكنوبيولوجي يطلق عليه التكنولوجيا المدمره وهو يعمل على تطوير ونشر حبوب لا يمكن استخدام المحصول الناتج عنها في إعادة الزراعة، ولابد من شرائها من الشركات التي تنتجها كل عام، وهذا الأمر يؤدي لتبعية الفلاح تبعية كاملة للسوق الخارجية وبشكلٍ مستمر لا يمكن الفكاك منه. وتتسبب هذه البذور في مشاكل صحية، حيث تبيع الشركات المتعددة الجنسية لنا بذوراً تؤدي لأمراض مثل السرطان والفشل الكلوي ويبيعون في نفس الوقت الأدوية التي تشفي من هذه الأمراض. وغنيٌّ عن الذكر أيضاً أن استخدام تلك البذور يترك آثاراً جسيمة على التوازن البيئي، حيث إن الزراعة الطبيعية تحافظ على التنوع والتوازن البيئي واستخدام البذور المهجنة وراثياً أو المحورة في الزراعة قد يقضي على أعشاب أو حشرات هامة بالنسبة للزراعة أو الإنسان أو الطيور أو الحيوانات.
دور المجتمع المدني العالمي والمحلي:
إن تطبيق سياسات اقتصاد السوق في مصر يعني انسحاب الدولة التدريجي من الرقابة على حركة التجارة وتطبيق قاعدة "دعه يعمل، دعه يمر" تحت هيمنة الشركات متعدده الجنسيه ومنظمه التجاره العالميه التى تقود النظام الاقتصادي العالمي، وعندما تنسحب الدولة من فرض الرقابة فإن ذلك يعني أن هناك مهمة جسيمة واقعة على عاتق جمعيات ومنظمات المجتمع المدني للضغط على الدولة وعلى المنظمات الدولية الواضعة لقواعد هذه التجارة الدولية لمجابهة مخاطر البذور والمنتجات المعدله وراثياً. ويجب على منظمات المجتمع المدني ان تقوم بتوعية الفلاحين والمستهلكين بمخاطر استخدام هذه الكائنات، . ومن الجدير بالذكر هنا أن منظمات المجتمع المدني في كندا ودول أمريكا اللاتينية و اسيا وأفريقيا والدول الأوروبية تلعب دوراً هائلاً في عملية نشر الوعي حول مخاطر وآثار التكنولوجيا الزراعية والتعديل الجيني على الثروة النباتية والحيوانية والنباتية، وآثارها على الدفع على المزيد من تجذير أزمة الغذاء لدى الفلاحين الفقراء وشعوب العالم الثالث عامةً، وعلى خلق المزيد من عدم التوازن البيئي ذو الآثار طويلة المدى، وكذلك تلعب دوراً ملحوظاً في الضغط السياسي على الحكومات وأيضاً على منظمة التجارة العالمية لأجل وضع القيود والضوابط على البذور والمنتجات المعدله وراثياً، وإنه لمن الحريّ بمنظمات المجتمع المدني المصري أن تحذو حذو نظيراتها في دول العالم الثالث لحماية حقوق الفلاحين وتعزيز التنمية الفلاحية المستدامة. اننا نحتاج تتعلم الناس وتعرف اكثر عن:
*الأبعاد السياسية والاقتصادية والقانونية الصحية لقضية البذور والمنتجات المعدله وراثياً.
*أثر البذور المعدله وراثياً بوجه خاص على الغذاء والصحة العامة وعلى حقوق الفلاحين والتنمية الريفية المستدامة في مصر.
*دور تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني في مجابهة سطوة الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات الدولية الكبرى المروجة للبذور والمنتجات الأخرى المعدله وراثياً.
* تعزيز دور المجتمع المدني في وضع استراتيجيات لمعالجه مخاطر النتجات المعدله وراثيآ، من مثل نشر الوعي والضغط على صناع القرار والسياسات وإجراء البحوث والدراسات و رفع القضايا للمتضررين و التنسيق مع التنظيمات المحلية والدولية المهتمة وتعزيز تضافر الجهود و متابعة قواعد وآليات الأمان البيولوجي للمساهمه فى صنع مستقبل افضل اكثر عدلآ وانسانيه.
العودة
إلى القائمة
|