29

 

لماذا أمان الحيازة للارض

 

لماذا أمان الحيازة للأرض ؟

جرت العادة منذ زمن بعيد على تجاهل سكان الريف على رغم من تواجد اعداد غفيرة تقدر بعشرات الملايين من المعدمين وشبه المعدمين فى الريف ، وهذه الاعداد فى تزايد مستمر كمنتيجة لتطبيق أنضمام المطرودين من الارض بسبب التشريعات وعوامل تدهور الارض والصراعات والكوارث الطبيعية وخصخصة الارض والتوسع فى الزراعة التجارية وازالة الغابات والاشجار .

وفى وقت رالراهن تحول جزء كبير من الارض إلى مناطق معزولة للفقر وتدهور الموارد وحرمان اعداد كبيرة من المزارعين من حيازة أرض زراعية وحرمان الرعاة من الارض المشاع لاطعام حيواناتهم ، الامر الذى يدعو الى السخرية من السياسات التى تحكم عالمنا حيث أن  الذين ينتجون الغذاء ( العمال الزراعيين) هم أكثر فئات هذه المجتمعات فقراً واقلهم فى فرص الامن الغذائى .

لذلك فإن مؤتمرات وقرارات كثيرة ألزمت الحكومات بالعمل على كفالة حقوق الفقراء والمزارعين وكفالة حقهم فى الغذاء ، وأمن الحيازة واجراء توزيعاً عادلاً للملكية الزراعية واتباع ممارسات عادلة تجاه المزارعين لتأمين حصولهم على الارض والفرص   المختلفة لتحسين أحوالهم وتنمية قدراتهم ومواردهم لتقليل جوانب ضعفهم  وتحفيزهم للمشاركة فى صنع السياسات .

وأكدت هذه المؤتمرات على أن كفالة حق الحصول على الارض ،وأمن الحيازة للمزارعين وتمكينهم من ادارة الارض يعد بمثابة  أقوى حافز لتحسين أوضاعهم وتعزيز التنمية الريفية العادلة.

ان فقراء الريف فى اطار سعيهم إلى اطعام اسرهم ليس امامهم خيار سوى الاستخدام المفرط للارض لأن فقرهم وقلة فرصهم المتاحة لتحدى الموت جوعاً مع غياب أمن الحيازة وقلة حصولهم على أية خدمات ائتمانية ،وعدم تعويضهم عن الكوارث الطبيعية ،ونقص تعليمهم ،وضعف مشاركتهم فى اتخاذ القرار ،يدفعهم الى أن يأخذوا من الارض بكل طاقاتهم ولا يقوموا بخدماتها وصياناتها كمورد لأنهم يجدون أنفسهم عاجزون عن تحدى الفقر والجوع الا باستنزاف الارض باقصى قدر متاح .

إن الفلاحين وهم يهددون موردهم الطبيعى لا يمكن أن نلوم عليهم لأن ذلك يتم فى سياق كفاحهم من أجل اطعام اسرهم ، لذلك فإن كفالة أمن الحيازة لهم سوف يحافظ على الموارد ويضمن مستقبل البشرية فى الغذاء .

إن توفير أمن الحيازة للفلاحين هو ضرورة لاستمرار الحياة ودعم مستقبل آمن فى إنتاج الغذاء بالإضافة إلى حماية فقراء الريف والمزارعين من التعرض للتشريد والمجاعات وما يسببه ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية بالنسبة للمجتمع ككل .

إن العالم حكومات ومنظمات دولية مطالبة بفاعلية هذا الحق احتراماً لحقوق البشرية فى الحياة والتنمية العادلة ولحماية الموارد الطبيعية من الاهدار .

إن الجميع مطالب أيضاً بمواجهة الخرافات والدعاية الزائفة حول أن حصول معدمى الريف والمزارعين على الارض سوف يؤثر بالسلب على زيادة الانتاج وتحسين الامن الغذائى الوطنى ،فهذه الخرافة التى تدعمها سياسات المنظمات الدولية التجارية ثبت عكسها ،حيث أكدت الدراسات المختلفة والمتنوعة فى العالم على أن هناك علاقة عكسية بين مساحة المزرعة وانتاجيتها ، ففى حالات كثيرة كانت المزرعة الكبيرة تحقق انتاجاً اقل من المزرعة الصغيرة ، ان المزارع الكبيرة تكثف انتاجها لزيادة الربح وتزيد الضغط على الارض وتطرد اليد العاملة والمزارعين منها وتستخدم الميكنة لتكلفتها الأقل وتستخدم الكثير من المدخلات الكيماوية مما يؤثر على الغذاء الصحى النظيف ،إن أسلوب المزرعة الصغيرة التى تعتمد على الاسرة يسمح بقدر أعلى من حماية المورد وحماية المزارعين من التشرد والجوع.

كيف تناولت المؤتمرات الدولية هذا الحق ؟

فى المؤتمر العالمى للاصلاح الزراعى والتنمية الريفية الذى نظمته منظمة الاغذية والزراعة عام 1979  أكدت الحكومات على إن تأمين حقوق حيازة الارض بالنسبة للفلاحين أمر ضرورى وحيوى بالنسبة لوقف الفقر وحماية الموارد من التدهور ،وأن أمان الحيازة للفلاحين هو التزام على الحكومات يجب كفالته للفلاحين ، كما دعيت الحكومات والمنظمات الدولية خلال مؤتمر قمة الارض الذى عقد فى ريو عام 1992 ، ومؤتمر القمة العالمى للاغذية الذى عقد فى روما عام 1996الى  كفالة حقوق فقراء الريف على الاراضى والمتطلبات الانتاجية الاخرى ذات الصلة بعملية الزراعة ،وأيضاً كفالة حق الائتمان والوصول للاسواق.

وقد أكدت قرارات هذه المؤتمرات السابقة على أن أمان الحيازة يعتبر حلقة اساسية للقضاء على الفقر فى الريف ،وكفالة الامن الغذائى .

كما أكدت على أن تعزيز التنمية لا يمكن أن يتم دون كفالة حق الحصول على الارض وكفالة أمن الحيازة ، كما أكدت تلك القرارات على أن المشاركة  الفعالة لفقراء الريف والفلاحين لا يمكن كفالتها بدون حيازات أمنة ومستقرة للمزارعين .

وكذلك فإن المؤتمرات الخاصة بالفاو والامم المتحدة الخاصة بالبيئة منذ مؤتمر ستكهولم فى 1972 حتي الان أكدت على أن الحكومات يجب عليها تشجيع ومساندة فقراء الريف لكفالة هذه الحقوق عن طريق تطبيق تشريعات وسياسات بديلة تكفل لهم  أمان الحيازة لتحسين أوضاعهم ودخلهم ، كما يجب على الحكومات أن تبحث اهداف وطرق وأدوات التنمية الريفية وطرق دعم السياسات لكفالة مشاركة الفلاحين وتحسين اوضاعهم وحماية الارض والمورد من التدهور.

وان الحكومات ملزمة طبقاً لهذه الاتفاقيات ان تضع خطط عمل لكفالة زيادة حصول فقراء الريف على الارض الزراعية وتضييق الفجوة فى توزيع الثروة وتحفيز فقراء الريف للمشاركة فى عمليات اتخاذ القرار والسياسات العامة  الاقتصادية والاجتماعية .

ما هو وضع امان حيازة الارض فى مصر ؟

إن تجربة الاصلاح الزراعى فى مصر قد ضربت بعرض الحائط كافة قرارات الامم المتحدة السابقة المتعلقة بأمان الحيازة، هذه التجربة التى اسفرت عن تطبيق القانون 96 لـ1992 الذى طرد قسم كبير من المزارعين  من الارض الزراعية ، وانتهك حقوق المزارعين فى امان حيازاتهم .ان تطبيق هذا القانون قد حول الارض الزراعية إلى سلعة يجوز للمالك أن يؤجرها لمدة سنه واحدة أو موسم زراعى أو ثلث أو نصف عام وبقيمة ايجارية مرتفعة مما أدى إلى أنعدام أمن الحيازة للمزارعين وبالتالى انعدام فرص الائتمان وتحسين ادارة موارد الأرض ، كما أدى بالمزارعين إلى عدم خدمة وصيانة الارض الزراعية والضغط علي الأرض الزراعية كى تنتج وتعطى كل ما لديها.

إن كفالة الحق فى أمن الحيازة يستوجب تعديل هذا التشريع بما يضمن الحد  الادنى لأمان المزارعين فى اراضيهم بتحديد حد ادنى لعقد الايجار لا يقل عن مدة خمس سنوات ، كما يجب ان يحدد التشريع الجديد قيمة إيجار فدان الأرض الزراعية بحد اقصى وحد ادنى حسب جودة الأرض الزراعية على أن يراعى فى القيمة الايجارية صافى عائد الفدان الزراعى فى مصر الذى اكدت معظم الدراسات بأنه لا يجاوز فى أجود الاراضى متوسط 1200 جنيه ، كما يجب أن يضمن التشريع الجديد أحقية المزارعين في الائتمان والاقتراض من البنك الزراعي بفوائد لا تزيد عن 4% باعتبارها فوائد مدنية وليست فوائد تجارية .

وأن يضمن التشريع الجديد مشاركة الفلاحين فى تحديد السياسات خاصة التى تتعلق بالزراعة واراضيهم ، وذلك بكفالة انشاء الجمعيات وتحفيزهم على انشاء مثل هذه الروابط والجمعيات .

ويجب علي الحكومة أن ترفع وصايتها على الجمعيات الزراعية كى تقوم بدورها فى دعم المزارعين بشروط عادلة غير تجارية ، كما يجب أن يتضمن التشريع ضمانات لتعويض الفلاحين عن الكوارث التى تحل بارضهم وزراعتهم.

ان توصيات وحقوق كثيرة يمكن أضافتها فى هذا التشريع ويمكن للنشطاء فى الريف ومنظمات المجتمع المدنى  المهتمة بتحسين اوضاع الفلاحين أن تضع مشروعاً متكاملاً يكفل امن الحيازة ويحمى مواردنا من الاهدار ، اننا جميعاً مطالبين بالعمل نحو تحقيق هذا الهدف لحماية حقوق اهالينا ومواردنا من الاهدار ولضمان  مستقبل أكثر انسانية واكثر عدلاً.

 

العودة إلى القائمة