|
بعد
صدور إتفاقية حقوق الطفل عام 1989، والتى
حظيت، مقارنة بغيرها من الاتفاقيات
الدولية، بما يشبه الإجماع الكامل من
الدول، حيث صدقت عليها 181 دولة، شهد
المجتمع الدولى والمجتمعات الوطنية
حركة دءوبة من أجل وضع بنود هذه
الإتفاقية موضع التنفيذ. وقد لعبت
الهيئات الدولية المعنية بحقوق الطفل
والمنظمات غير الحكومية الدور الأكبر
فى تحريك الدول والمؤسسات من أجل تنفيذ
بنود هذه الإتفاقية، وقطعت شوطاً فى
هذا الإتجاه، ولكن بسبب ضخامة
الإنتهاكات التى يتعرض لها الأطفال
بسبب الظروف الإقتصادية والإجتماعية
والسياسية المحيطة بهم، يعلم القائمون
على هذه الهيئات والمؤسسات جيداً أن
الطريق مازال طويلاً وشاقاً، ويحتاج
إلى تكاتف كل الجهود الدولية
والوطنية، الحكومية وغير الحكومية من
أجل كفالة حقوق الطفل التى تتدهور
يوماً بعد يوم.
وفى
مصر شهد عقد التسعينيات ظاهرتين على
صعيد حقوق الطفل إحداهما سلبية
والأخرى إيجابية، تتمثل الظاهرة
الأولى السلبية فى تدهور أوضاع
الأطفال فى مصر بسبب التدهور العام
الذى أصاب العديد من الفئات
الإجتماعية بفعل السياسات الإقتصادية
الجديدة والهشاشة التى أصابت المؤسسات
المعنية بالطفل، بما فى ذلك مؤسسات
الدولة، وكذلك الأسرة. وكما نعلم فإن
الأطفال يعتبرون الفئة الأكثر حساسية
لمثل هذه الظروف، من منظور حقهم فى
التعليم والصحة والغذاء والسلامة
الذهنية والجسدية. أما الظاهرة الأخرى
التى تعتبر إيجابية فتتمثل فى ظهور
بوادر إهتمام بحقوق الطفل، قد يكون
دعائياً فى جانب كبير منه. ولكن على
الأقل، فقد وضع عدد محدود من المنظمات
غير الحكومية قضية حقوق الطفل على
جداول أعمالها.
ولاشك
فى أن التوازن بين الظاهرتين يميل بشكل
درامى لصالح كفة التدهور والتردى فى
أوضاع الأطفال، ويرجع ذلك لمجموعة من
العامل فى مقدمتها الوتيرة المتسارعة
لعمليات الإفقار والتهميش لفئات عديدة
من المجتمع، وعدم وجود إستراتيجية
واضحة لحماية الأطفال ورعايتهم، هذا
فضلاً عن أن المنظمات غير الحكومية لا
تزال تفتقر هى الأخرى لمثل هذه
الإستراتيجية، وحتى لو توافر للبعض
منها رؤية واضحة فإن كم القيود التى
تحول دون حرية حركتها تصيبها بالشلل.
ويرجع
ذلك حسب ما جاء فى هذا التقرير نتيجة
مجموعة من الظواهر الأساسية التى تسم
القطاع الأهلى فى مصر وتؤثر سلبا على
قدرته على القيام بمهامه تجاه قضايا
الطفل. فمن ناحية أولى، ففى حين تحظى
الطفولة بإهتمام العديد من المنظمات
الأهلية، إلا أن جل هذا الإهتمام ينطلق
من منظور تقليدى للعمل الأهلى وهو
المنظور الخيرى الخدمى، أما المنظور
التنموى والدفاعى فمازال محدوداً
بدرجة كبيرة. ومن ناحية ثانية، يترتب
على هذه الرؤية السابقة أن الأنشطة
الخاصة بالطفولة لا يكون لها بالضرورة
الأولوية على جدول أعمال المنظمات
الأهلية، فهى غالباً ما تكون تالية أو
ملحقة بأنشطة أخرى، وبالتالى فثمة عدد
قليل جدا من الجمعيات التى تضع قضايا
الطفل على قائمة أولوياتها. ومن ناحية
ثالثة، هناك ظاهرة الإنحياز الحضرى
للمنظمات الأهلية، حيث تزيد نسبة وجود
ودرجة فعالية هذه المنظمات فى المناطق
الحضرية عن المناطق الريفية، بل
وينعدم وجودها فى بعض المناطق الريفية
الفقيرة خاصة فى صعيد مصر.
يمثل
كل هذا مجموعة من المعوقات الذاتية
التى تحول دون تواصل المنظمات الأهلية
مع قضايا الطفل، خاصة على المستويات
القاعدة، ويؤطر كل ذلك مناخ عام سياسى
وقانونى غير مواتى، يستهلك جزء كبير من
طاقة المؤسسات الأهلية فى الدفاع عن
إستقلاليتها وهويتها، أو فى مشاكل
بيروقراطية لا حد لها.
ويرصد
هذا التقرير، الذى يأخذ شكل الدراسة
الموثقة، هذا الظواهر على المستوى
القومى، وعلى مستوى إحدى محافظات
الجمهورية (بنى سويف)، ثم على مستوى
القرية (قرية جبل النور بمحافظة بنى
سويف). لنكتشف أن هذه القرية التى يعانى
أطفالها العاملون فى محاجر وكسارات
الرخام فى ظروف معيشية وتعليمية وصحية
متدنية، تفتقر إلى وجود نشاط أهلى
يذكر، هذا فى حين أن مثل هذه القرى فى
حاجة ملحة وعاجلة إلى تواجد منظمات
أهلية لتعويض غياب مؤسسات الدولة.
ومن
هنا، يطرح مركز الأرض، من واقع تجربته
فى قرية جبل النور ببنى سويف، دور
المنظمات غبر الحكومية فى الدفاع عن
حقوق الطفل من منظور دفاعى بهدف حفز
جهود المنظمات غير الحكومية، التنموية
والدفاعية على وجه الخصوص، لإعطاء
مزيد من الإهتمام لهذه القضية الهامة
والحيوية سواء فى الحضر أو الريف،
والتنسيق فى ما بينها ومع الهيئات
الحكومية المعنية على المستويات
الوطنية والمحلية فى هذا المجال.
وينطلق مركز الأرض من حقيقة أن قضية
إصلاح أوضاع الأطفال الإقتصادية
والإجتماعية والثقافية، هى جزء لا
تتجزأ من الإصلاح الإجتماعى الشامل.
وينقسم
هذا التقرير إلى ثلاثة أقسام رئيسية
وهى:
القسم
الأول:
وهو
عبارة عن دراسة عن واقع العلاقة بين
المنظمات غير الحكومية فى مصر وقضايا
الطفل، من حيث موقع الأطفال على خريطة
العمل الأهلى فى مصر، وطبيعة الأدوار
والأنشطة التى تقوم بها هذه المنظمات
الأهلية (رعائية خيرية، أو خدمية، أو
تنموية، أو دفاعية)، والأوزان النسبية
لهذه الأدوار، وظاهرة الإنحياز
الحضرى، والمعوقات التى تعيق حركة
المنظمات الأهلية وتحول دون أداء
دورها الإجتماعى.
القسم
الثانى:
يتضمن
هذا القسم إستعراضاً لخريطة العمل
الأهلى فى محافظة بنى سويف وقرية جبل
النور وبيان أبعاد ظاهرة الإنحياز
الحضرى، حيث يلاحظ التفاوت الواضح بين
القاهرة ومحافظة بنى سويف من ناحية،
ومحافظة بنى سويف والقرى المحيطة بها
من ناحية أخرى، والنموذج هنا قرية جبل
النور التى تتفاقم فيها مشكلات الفقر
وبالتالى ظاهرة عمالة الأطفال. ويتضمن
أيضا وقائع لقاء أجراه مركز الأرض مع
عدد من نساء وأطفال القرية، وتعليق
المركز بشأن الفقر كعامل رئيسى فى
تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، وغياب
المؤسسات الحكومية وغير الحكومية،
وحضور الأم كمؤسسة إجتماعية وحيدة
لحفظ ما تبقى من تماسك اجتماعى. وكذلك
أنشطة مركز الأرض الدفاعية بالقرية.
القسم
الثالث: التوصيات
تتضمن
مجموعة من التوصيات، على ثلاثة محاور
أساسية، هى محور الدولة وتتعلق
بالسياسات العامة للدولة، والقيود
المفروضة على النشاط الأهلى، وضرورة
الإصلاح المؤسسى. والمحور
الثانى
هو المنظمات الأهلية من حيث ضرورة تبنى
منظور دفاعى تنموى لحماية الطفل،
والعمل على المستويات القاعدية،
وتمكين المرأة بوصفها فاعل أساسى فى
حماية الطفل. أما المحور
الثالث،
فيتضمن توصيات عاجلة على مستوى
التعليم والصحة والعمل للأطفال الذين
يعيشون فى ظروف صعبة، من حيث الإهتمام
بالأطفال في المناطق الريفية و
الفقيرة الذين يضطرون للعمل و ذلك
بتوفير الرعاية الصحية و الغذائية لهم
و وضع قيود حمائية تضمن لهم العملاً فى
شروط أفضل والسعى لتوفير فرص تعليمية
مناسبة تسمح لهم بالنجاة من مستنقع
الجهل والأمية .
العودة
إلى القائمة
|