2

 قانون الجمعيات 000 إنتكاسة جديدة للديمقراطية فى مصر

يأتي صدور هذا التقرير حول إصدار القانون الجديد ( قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية ) الذى جاء ليحل محل القانون 32/ 1964 ليوضح انه يحتفظ بنفس القيود التى طالما جرى المطالبة بإلغائها بل ويضيف قيوداً جديدة على حق تشكيل الجمعيات ، يعتبر بحق إنتكاسة خطيرة لقضية الديموقراطية فى مصر وضربة مؤثرة للآمال التى تعلقت طوال الفترة الماضية بإنتهاء القيود التى كان ينطوى عليها القانون السابق وهو ما يدل فى واقع الأمرعلى إنتكاسة جديدة فى ممارسة الديمواقراطية فى مصر وهى إضافة للوضع الديموقراطى المتردى أصلاً فى الدولة والذى يزداد سوء يوما بعد الآخر. وفى ذلك يطرح التقريرعدداً من النقاط كما يلى :-

أولاً: فلسفة القانون فى النظر إلى الجمعيات الأهلية .

أخضع القانون كل أنواع الجمعيات لوزارة الشئون الإجتماعية ويتسق هذا الإخضاع مع نظرة القانون إلى الجمعيات على إعتبارها جمعيات تمارس النشاط الإجتماعى الخيرى والذى لا يستهدف الربح، جرم القانون أى جمعية تمارس نشاطاً سياسياً أو نقابياً أو تمارسه أى هيئات أخرى خلاف النقابات والأحزاب وبات النشاط الأهلى الوحيد المسموح به وفقاً للقانون الجديد هو نشاطاً مكملاً لنشاط وزارة الشئون الإجتماعية أو نشاط آخر مما يتصل بنشاط وزارات أخرى كالجمعيات الثقافية والفنية والرياضية، ولكن بشرط أن لا يمارس نشاطا يتصل بعمل النقابات أو الأحزاب السياسية وبهذه النظرة فان القانون يقيد حرية وإستقلال العمل الأهلى بدلاً من أن يطلق حق تكوين الجمعيات . و بالتالى يتضح أن فلسفة القانون يحكمها روح الشك والإتهام والريبة إزاء أعضاء الجمعيات القائمة ، كما يحكمها نزعة تآمرية إزاء الجمعيات وأعضائها الذين يختلفون مع السياسة الرسميه للدولة وتعليمات الجهه الإدارية وليس أدل على ذلك مما يلى :-

1- أسقط القانون المبدأ الذى طالبت به كل القوى الديمقراطية فى مصر منذ سنوات طويلة وهو إكتساب الجمعية أو المنظمة أو المؤسسة للشخصية الإعتبارية بمجرد الأخطار.

2- تضمن القانون (المادة 11) نصوصاً غريبة لم يكون هناك ثمة داع لإدراجها فى القانون لأنها مجرمة بموجب أحكام قانون العقوبات مثل حظر إنشاء الجمعيات السرية أو تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات الطابع العسكرى. مما يشي بنية مبيتة لتلفيق الإتهامات لأعضاء الجمعيات التى لا تنصاع إنصياعاً كاملاً لمتطلبات الجهات الإدارية .

3- أدرج فى القانون العبارات التى درج المشرع المصرى على وضعها فى كل قانون يقيد الحريات العامة كعبارات تهديد الوحدة الوطنية أو النظام العام أو الآداب أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين وهى الحيلة المعتادة التى يحتفظون بها للتدخل بمقتضاها إذا لم يجدوا وسيلة أخرى

هكذا يتضح أن البون مازال شاسعاً بين الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية وبين حرية تكوين الجمعيات وحرية ممارسة النشاط الأهلى فى أبسط وأدنى أشكاله، وهو أمر يجب ألا يدعونا إلى اليأس والإحباط بقدر ما يدعونا إلى مواصلة الجهد والمثابرة على العمل من أجل كسب الحرية.

ثانياً : بعض مواد القانون المجسدة لمصادرة حرية العمل الأهلى :

1- أوجب القانون على الجمعيات والمؤسسات الأهلية وكافة الأشكال والكيانات الأخرى كالشركات والجماعات المدنية الخاضعة للأحكام العامة فى القانون المدنى إتباع أحكام القانون الجديد الذى إحتفظ بروح القانون 32/1964 ونصوصه الرئيسية المقيدة بإصرار حرية العمل الأهلى، بل أضفى مجموعة من القيود الأخرى ، والغرض من جملة النصوص المعترض عليها تشوبه شبهة عدم الدستورية لإخلاله بالطابع الديمقراطى المقرر دستورياً والمكفول بنصوصه

2- عكست المناقشات التى دارت تحت قبة البرلمان ناهينا عن القانون والباعث على إصداره أن القانون قد إستهدف مواجهة النهضة الأهلية لحركة تأسيس المنظمات الخاصة التى وجدت لنفسها مخرجاً من قيود القانون 32/1964 فى القانون المدنى وفرض شكل الشركات المدنية بديلاً عنه وقد إستبان ذلك فى كافة نصوص القانون بشكل عام كاشفاً وبسفور عن مدى رغبة جهة الإدارة فى التحكم فى النشاط الأهلى وغل يده عن المشاركة فى حل مشاكله وتضييق الخناق عليه والرغبة الشديدة فى إستبعاد منظمات حقوق الإنسان على رصد الإنتهاكات الحكومية والغير حكومية ومراقبة جهة الإدارة .

3- أعطت المادة السادسة لجهة الإدارة بل أوجبت عليها رفض طلب القيد إذ تبين لها أن من بين أغراض الجمعية نشاطاً مما تحظره المادة 11من القانون هذا فضلاً عن الأخطار التى يتعرض لها أعضاء مثل هذه الجمعيات والمراكز طبقاً للنصوص المقحمة فى القانون والتى تتحدث عن الجمعيات السرية والنشاط الفكرى بإختلاف الإتهامات لها والزج بها إلى دور المحاكم للدفع بأعضائها إلى الإبتعاد عن العمل الأهلى وحل منظماتهم وجمعياتهم وهو ما تستهدفه جهة الإدارة وتبتغيه خلف هذه النصوص المطاطة الغير محددة

4- أجازت المادة 16 للجمعيات الإنتساب أوالاشتراك أو الإنضمام إلى جمعية أو هيئة أو منظمة أو ناد يكون مقره خارج مصر شريطة إبلاغ الجهة الإدارية وإنقضاء 60 يوماً من تاريخ الإخطار دون إعتراض كتابى منها وهى إجازة لا جواز لها، قصد بها إستبعاد بعض المنظمات والمؤسسات التى تعمل فى مجال حقوق الإنسان والمجالات الفكرية والثقافية وغيرها من المؤسسات النشطة دولياً والتحكم فى سياستها وممارسة نشاطها بهدف تقييدها عن نظيرتها من المؤسسات الدولية وإنقلابها وبالتالى الحد من قدرتها على تحقيق أغراضه

5- أما شأن المادة 17 والتى حظرت على الجمعية الحصول على أموال من شخص أجنبى أو جهة أجنبية أو مصريين فى الخارج أو أن ترسل شيئاً مما ذكر إلى أشخاص أو منظمات فى الخارج إلا بإذن وزير الشئون الإجتماعية ، كما حظرت المادة 61 من القانون على المؤسسات الأهلية التى تتلقى أموالاً من الغيرإلا بعد موافقة الجهة الإدارية المختصة .

ومما سبق يتبين أنه لا معنى للهزل الذى تسوقه جهة الإدارة وإتباعها حول قضية التخابر والإنتماء، فالتخابر هو التخابر داخل المنظمة أو خارجها ومع وجود الحظر أو إنتفائه، وكذا الإنتماء الذى يتمتع به المشتغلين بالعمل العام أكثر من غيرهم، وفى مجال منازلة جهة الإدارة فى هذا الصدد نتساءل كم عدد الجمعيات والمنظمات التى تم إتهامها بالتخابر فى بلدنا؟ وإذا لم يكن ، فلماذا الخوض فى هذه القضية؟ وإذا كانت هناك شكوك أو ريب فماذا فعلت جهة الإدارة ووزارة الداخلية والجهات المعنية حيالها ؟ولماذا أحجمت المناقشات التى دارت تحت قبة البرلمان حال مناقشة قضية التمويل من بيان أسماء تلك الجمعيات التى حصلت على ملايين الجنيهات؟، وما هى أغراضها ؟ وما هى أوجه إنفاق تلك الأموال ؟ ولماذا لم تتم محاسبتها؟ وهل كانت جهة الإدارة فى حاجة إلى مثل هذا القانون حتى يتسنى لها محاسبة مثل هؤلاء ؟هم بلا شك إن وجدوا لحق عليهم العقاب ، وكنا أول من أيد ذلك

أليس فى قانون العقوبات ما يطول أمثال هؤلاء إن وجودوا ؟!!!

لقد كان بالإمكان إذن أن لايحظر النص حق المؤسسات والجمعيات فى تلقى التبرعات من الداخل أو الخارج دون قيد أو شرط اللهم إلاشرط العلانية الكاملة والشفافية الكاملة لكل مؤسسة وجمعية

6- المواد من 24 حتى 29 الخاصة بالجمعية العمومية للجمعيات الأهلية تنص على إجراءات لدعوة وعقد الجمعية العمومية للنظر فى جدول الأعمالوالملاحظ أن هذه المواد لا تحدد وظيفة وسلطة الجمعية العمومية كما أنها لا تعترف أن الجمعية العمومية هى السلطة العليا التى لا يعلوها سلطة أخرى أسوة بالنقابات والمؤسسات الأخرى لأن الحكومة تصر على أن السلطة العليا هى جهة الإدارة

7- ألزمت المادة 34 مجلس الإدارة بعرض قائمة بأسماء المرشحين لعضوية المجلس بمقر الجمعية فى اليوم التالى لغلق باب الترشيح وإخطار الجهة الإدارية المختصة بالقائمة خلال الثلاثة أيام التالية وقبل موعد إجراء الإنتخابات بستين يوما

كما منح النص لجهة الإدارة إخطار الجمعية بمن يرى إستبعاده لعدم توافر شروط الترشيح بالمخالفة للأمن العام وأن لكل عضو حق الترشيح دون قيد أو شرط إلا إذا إشترط القطاع الأساسى حداً أدنى للعضوية ستة أشهر مثلاً

8- نصت المادة 68 على أن ينشأ إتحاد عام الجمعيات والمؤسسات الأهلية تكون له الشخصية الإعتبارية ويضم الإتحادات النوعية والإقليمية ويكون مقره مدينة القاهرة على أن يتولى إدارة الإتحاد العام مجلس إدارة يتكون من ثلاثين عضواً يعين رئيس الجمهورية من بينهم رئيس الإتحاد وعشرة أعضاء من المهتمين بالمسائل الإجتماعية وينتخب الباقون من بين أعضاء الجمعيات والمؤسسات الأهلية الخاضعة للقانون ونصت المادة 69 على أن يتكون المؤتمر العام للإتحاد من رؤساء مجالس إدارة الإتحادات النوعية والإقليمية ويكون لهم حق إنتخاب أعضاء مجلس الإدارة

وكان يتعين أن ينتخب مجلس الإدارة بمعرفة جمعية عمومية للإتحاد العام تشكل من مندوبين تنتخبهم الجمعيات العمومية للإتحادات النوعية والإقليمية وكذلك تنتخب مجالس الإدارات للإتحادات النوعية تشكل إبتداء من الجمعيات العمومية للجمعيات والمؤسسات بإعتبارها القاعدة العريضة لأى إتحاد كانت هذه ملاحظات سريعة حول ما ورد بقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذى صدر بصورة متسرعة كعادة كافة القوانين المقيدة للحريات ،والذى تآمرت فيه الحكومة على الجمعيات والمؤسسات الأهلية ومنظمات حقوق الإنسان مخالفة بذلك كافة الملاحظات والإقتراحات التى تقدم بها أعضاء الجمعيات فى حوارهم مع وزارة الشئون الإجتماعية ولجنة الصياغة على مدى عام ونصف

خاتمة :

إن القانون على النحو السابق عرضه لا يستهدف سوى تكميم العمل الأهلى فى كافة مجالاته وأنشطته إلى أجل غير منظور ،الأمرالذى يعد معه القانون بحق إنتكاسة جديدة للديمقراطية فى مصر ولذلك فإننا نؤكد علىعدم جواز التسامح فى قانون يزيد من القيود المفروضة على حق الأفراد فى تشكيل منظماتهم على النحو الذى يرونه ملائماً لإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتهم وإطلاق طاقاتهم وإبداعاتهم على نحو يساهم فى تنمية وتطوير واقعهم

إننا نتوجه بالنداء إلى جميع الأحزاب والقوى الديمقراطية والنشطاء فى مجال العمل الأهلى وحقوق الإنسان من الجماعات والأفراد فى مصر لمواصلة النضال بلا كلل من أجل وقف العمل بالقانون المعادى للديمقراطية والعمل على إصدار قانون جديد يصدر بعد مناقشات واسعة ومستفيضة تشترك فيها كافة الأحزاب والقوى السياسية بحيث تتاح لها مساحات واسعة فى قنوات التليفزيون لكى تتطلع الجماهير على الحوارات والمناقشات والمساجلات حتى يتسنى لها معرفة حقائق الأمور ،كما ندعو كافة الأحزاب والقوى الديمقراطية إلى تشكيل لجان للدفاع عن حرية وإستقلال العمل الأهلى وتنسيق الجهود الجماعية والفردية لوقف العمل بالقانون الجديد من أجل إصدار قانون ديمقراطى وحتى لا يضطر أغلب العاملين فى مجال العمل الخيرى والأهلى بوجه عام إلى الإنسحاب من العمل فى هذا المجال بعد أن تحولوا فجأة وعلى غير إرادتهم إلى موظفين لدى وزارة الشئون الإجتماعية وخاضعين لمساءلتها .

العودة إلى القائمة