16

 احتجاجات العمال فى مصر "ضوء فى ظلام الأزمة"

يصدر مركز الأرض لحقوق الإنسان اليوم الاثنين الموافق 28 أغسطس 2000، تقريره النصف سنوى عن أوضاع العمال فى مصر بعنوان:"احتجاجات العمال فى مصر .. ضوء فى ظلام الأزمة"، وهو فى الوقت نفسه التقرير السادس عشر ضمن سلسلة "حقوق اقتصادية واجتماعية". ويتناول هذا التقرير الظروف التي أحاطت بالعمال في القطاعات الثلاثة (قطاع الأعمال العام و الهيئات الحكومية و القطاع الخاص) على مدى ستة أشهر من1/1/2000 إلى 30/6/2000. ويهدف المركز باصدار التقرير رصد الانتهاكات التى يتعرض لها العمال فى مصر، واستخلاص بعض النتائج التي قد تعين المهتمين بالدفاع عن حقوق العمال فى تحسين أوضاعهم واحترام حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. ويعتمد هذا التقرير على نتائج الرصد الميدانى من خلال بعثات مركز الأرض لتقصى الحقائق، وكذلك على الشكاوى التى تلقاها المركز ضمن برنامجه للمساعدة القانونية، واخيرا على ما نشر بالصحف بشأن الاحتجاجات العمالية.

ويرى مركز الأرض أنه بعد مرور أكثر من عشر سنوات كاملة اتخذت فيها عمليات الخصخصة وتيرة سريعة باتجاه بيع مصانع القطاع العام و إنشاء شركات جديدة على أيدي المستثمرين، بما صاحب ذلك من تسريح للعمال، وإعمال نظام المعاش المبكر، وإغلاق وتصفية عدد من المصانع والشركات، يحق للمدافعين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئات الاجتماعية التساؤل ،عما حققته هذه السياسات الاقتصادية:هل نجحت ؟؟ هل فشلت ؟؟ ما الذى حققته لملايين العمال .. ما الذي حققته لمئات من رجال الأعمال ؟؟ ما الذي حققته لمحدودي الدخل الذين باسمهم تنفذ كل هذه السياسات و توضع كل تلك القوانين ؟؟ أسئلة كثيرة ربما يكون مجرد طرحها مثيرا للشعور باللاجدوى لأنها ليست جديدة. ولكن ما يدفعنا إلى إعادة طرحها العمال أنفسهم بصرخاتهم ضد الإدارة، بطوابير هم الطويلة أمام الاتحاد العام، بخيامهم داخل المصانع، بهتافاتهم في المظاهرات حتى أعتاب المسئولين،حيث اختلطت، فى احدى الحالات، رائحة الموت ببرودة استجابات المسئولين. تلك الأوضاع هي السبب الرئيسى لإثارة التساؤلات المعلنة والمسكوت عنها.

ولهذا السبب تأتى أهمية التقرير، فقط لأننا حين نناقش أحوال العمال الآن يمكننا ان نعرف في أى طريق تسير سياسات الإصلاح ،وأين نحن من شعارات التنمية التى تستهدف بالأساس القضاء على الفقر وليس انتاجه بعد ان تجاوزنا الألفية الثانية،على اعتبار ان القطاع الصناعي يمثل أحد أهم القطاعات التي يقع على عاتقها عبء التنمية.

وقد شهدت الفترة محل الدراسة (69 ) احتجاجا شملت (47) هيئة ما بين قطاع خاص و أعمال وهيئات مملوكة للدولة. كان من بين هذه الاحتجاجات (6) احتجاجات فردية فقط تمثلت فى الإضراب عن الطعام، أما الباقي فقد تميز بتضامن عدد كبير من عمال الشركات والهيئات سواء فى صورة إضراب عن العمل أواعتصام أو تظاهر.

ويرصد مركز الأرض تعدد أسباب تلك الاحتجاجات وان كانت مشتركة في جوهرها. ولكن السبب الرئيسي يتمثل فى تفاقم ظاهرة استخدام الإدارات "الخاصة أو الحكومية "للأساليب التعسفية تجاه العمال بسبب الاتجاه نحو تصفية الشركات أو بيعها بدون عمال، أو المحاولة الدائمة لتحقيق أعلى الأرباح في مقابل التعدى على حقوق العمال؛ وتلجأ الإدارات في هذا السبيل إلى العديد من الوسائل والتي على رأسها الهجوم على المستحقات المالية (عدم صرف الأجور والحوافز والبدلات والمكافآت) حيث كانت من اكثر الوسائل استخداماً للضغط على العمال، سواء بالنسبة للقطاع الخاص أو الأعمال أو حتى الهيئات المملوكة للدولة. وقد بلغت نسبة الاحتجاجات الناتجة عن هذا السبب 34 احتجاجا؛ أي ما يمثل 50%من نسبة الاحتجاجات التى تفجرت خلال هذه الفترة من واقع ما رصده مركز الأرض. هذا وقد تنوعت الأسباب الأخرى بين الفصل و النقل التعسفي وبعض القرارات الإدارية الاخرى.

وفى هذا الإطار يأتى هذا التقرير الذى يناقش تلك الاوضاع من خلال أربعة أقسام .

القسم الأول: يناقش أوضاع العمال فى قطاع الأعمال واهم الوسائل التى تسعى عن طريقها الإدارات في هذا القطاع بالتخلص من العمال، مثل القيام بنقل العمال نقلاً تعسفياً إلى فروع أخرى قد تكون موجودة أو وهمية . هذا فضلا عن عدم صرف مستحقات العمال المالية . و بالنسبة لهذا القطاع فقد شهد حوالي (19) شركة من شركات قطاع الأعمال نحو (23) حركة احتجاجية ما بين إضراب واعتصام وتظاهر، ويمكن تصنيفها على النحو التالى: (16) اعتصام و(3) إضرابات وتظاهرين و(2) تجمهر . وقد لعبت قوات الآمن دوراً رئيسياً فى بعض هذه الاحتجاجات حيث قامت بمحاصرة أماكن الاحتجاج ومحاولة إنهاءه. بينما كان موقف الإدارات المختلفة مجرد "وعود التى لا تتحقق فى أغلب الاحيان". ولقد لعبت بعض اللجان النقابية دورا فى التضامن مع العمال، إلا ان الغالبية منها كان يقف فى صف الإدارة في مواجهة العمال المطالبين بحقوقهم المشروعة.

هذا ويستعرض هذا القسم عرض لاحتجاج عمال الحراريات بالتبين الذى مثل أحد أهم وأقوى الحركات الاحتجاجية. والذى استمر طيلة خمسة أشهر متصلة ما بين إضرابات واعتصامات احتجاجاً على عدم صرف الإدارة لمستحقاتهم المالية بهدف اجبار العمال على قبول نظام المعاش المبكر حتى تتمكن الادارة من تصفية الشركة .

أما القسم الثاني: فيختص بتتبع ظروف العامين بالهيئات الحكومية بعد ان قطعت تلك الهيئات شوطاً فى عملية الخصخصة. ثم يستعرض أهم الحركات الاحتجاجية التى قام بها العمال فى هذا القطاع الذى لم تكن خصخصته مجرد وبالاً على حقوق العاملين، لكنها ستؤدى إلى المزيد من البؤس والشقاء للملايين من الفقراء و محدودى الدخل الذين يستفيدون من خدمات هذه الهيئات . ويرصد هذا الجزء (15) احتجاجا تمثلت فى (3) تظاهرات، و(3) حالات اضراب عن العمل، و(4) حالات اضراب عن الطعام، و(3) اعتصامات، وحالتى تجمهر وشملت (13) هيئة. هذا فى الوقت الذى لم يتجاوز فيه نصيب الهيئات المباعة منها للقطاع الخاص إلا هيئة واحدة هى شركة "ابيلا" التابعة لهيئة سكك حديد مصر. والجدير بالذكر أن الشركة المذكورة كانت قد اشترت قطاع عربات النوم الذى كان تابعا لهيئة السكة الحديد، بينما كان نصيب الهيئات غير المباعة من تلك الحركات الاحتجاجية 12 هيئة وهو ما يعنى ان الحكومة تبذل كل ما في وسعها من اجل تأهيل الهيئات المملوكة لها للبيع على حساب العاملين بها .

كما يستعرض هذا القسم دراسة نقدية للائحة شركة كهرباء القاهرة كأحد الأمثلة على تعسف مجالس إدارات الشركات الخاصة تجاه حقوق العمال حيث تبخس هذه اللائحة الكثير من حقوق العمال فيما يتعلق بالأجور والحوافز والبدلات والإجازات بالإضافة إلي تعسفها الشديد فيما يختص بالواجبات والمحظورات المفروضة على العاملين وجهات التقاضى وفرض العقوبات . مما يجعل هذه اللائحة، كما يذكر هذا القسم، منافية لقوانين العمل المختلفة .

أما القسم الثالث: فيناقش أوضاع القطاع الخاص و خصوصا بعد تزايد حالات إغلاق المصانع وتهريب رجال الأعمال لاموال الدولة إلى الخارج دون أن يحصل العاملين على حقوقهم، خصوصاً فى الوقت الذى يشرد فيه مئات العمال من المصانع بحجة عدم الحاجة إليهم أو عدم توافر الخبرة الكافية لديهم. ويستعرض هذا القسم أهم الاحتجاجات التي حدثت في هذا القطاع وعلى رأسها احتجاجات سائقى عربات الأجرة ضد قانون المرور الجديد، واحتجاجات عمال قنا إلكترون والمتحدة للكيماويات. والجدير بالذكر أن الاحتجاجات فى المصنع الاخير قد اخذت شكلاً قوياً ومستمراً متصاعدا حيث استمر عمال المتحدة للكيماويات فى اعتصاماتهم واضراباتهم اربعة شهور ضد تعنت الادارة واغلاقها للمصنع وعدم صرفها المستحقات المالية للعمال . وقد رصد هذا الجزء (31) احتجاجا تمثلت فى (10) اضرابات عن العمل، و(10) اعتصامات، و (3) تظاهر وحالتين اضراب عن الطعام . وقد شملت هذه الاحتجاجات (16) شركة من شركات القطاع الخاص فضلا عن (7) احتجاجات قام بها سائقى سيارات الاجرة رداً على قانون المرور الجديد، حيث يأتى هذا القانون في المرتبة الثانية على قائمة الاحتجاجات.

وينتهى التقرير ببعض الملاحظات والتوصيات الختامية ومنها :

1ـ اجبار الشركات الخاصة على دفع التأمينات الاجتماعية بالكامل وخلق الية لضمان مراقبة التنفيذ .

2ـ كفالة حصول العمال على الاجور والحوافز والبدلات تحت أى ظرف .

3ـ التوقف عن سياسات الفصل الجماعي والنقل التعسفي للعمال .

4ـ تعيين العمالة المؤقتة ومنحها الضمانات الكافية لعمل مستقر وآمن .

5ـ ربط الاجور بالاسعار والغاء البنود التى تربط الحوافز بالوضع المالى للشركة .

6ـ إعادة صياغة قانون لتنظيم شئون العاملين فى كافة القطاعات يشارك فى وضعه العمال انفسهم ويضمن صالح اطراف العملية الانتاجية جميعاً .

العودة إلى القائمة