|
22 فى ظل العولمة 00بناء عالم أخر ممكن احتجاجات العمال فى بر مصر فى مواجهة الفصل والتشريد
صدر عن مركز الأرض لحقوق الإنسان العدد الرابع والعشرين من سلسلة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية ،تحت عنوان " الناس المتحدون لا يمكن هزيمتهم 000أوضاع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية في ظل العولمة " . ويأتي صدور التقرير قبل أقل من شهرين من انعقاد قمة الامم المتحدة للتنمية المستدامة بجنوب افريقيا بحضور ممثلين عن 189 دولة ،كمحاولة من جانب المركز للفت الانتباه الى الاثار الكارثية لسياسات التحرر الاقتصادى على كافة شعوب الارض ،وتوطئه كذلك للمشاركة فى المحاكمات الشعبية التى ستعقدها المنظمات غير الحكومية فى جوهانسبرج ،وسيشارك فيها المركز عن أثار هذه السياسات التى تفرضها المؤسسات دولية والتى تهدر الاحتياجات الاساسية للملايين من الفقراء ومحدودى الدخل الذين يمثلون اغلبية البشر والصناع الحقيقيين للثروة. ويتناول التقرير الاثار المباشرة لسياسات التكيف الهيكلي و تحرير الاقتصاد في اطار ما يعرف بالعولمة ، حيث يشير الى ان أحد أهم وأوضح تلك الاثار " ارتفاع معدلات البطالة " حيث تشهد ارتفاعا كبيرا في غالبية دول العالم بما فيها الدول الصناعية الكبرى. ويؤكد التقرير الى ان هذا الارتفاع ارتبط في بلدان الدول النامية بتطبيق شروط البنك وصندوق النقد الدوليين التي تتمثل في برنامج اعادة التكيف الهيكلي وتحرير الاقتصاد حيث أن “ نصف بلدان امريكا اللاتينية البالغ عددها عشرين دولة شهدت ارتفاعا في نسب البطالة في الثمانينات والتسعينات عندما كانت تتلقى اقراضا متواصلا من صندوق النقد الدولي ،حيث وصل حجم مستويات البطالة ولأول مرة الى مليار فرد ،هم فى حالة بطالة كاملة أو جزئية وهو ما يعادل 30% من قوة العمل فى العالم. كما يشير التقرير الى ان زيادة معدلات البطالة في مصر والتي وصلت الى خمسة ملايين عاطل حسب تقرير البنك الدولي والذى يتزامن ذلك مع تطبيق برنامج خصخصة القطاع العام فضلا عن تحرير قطاع الزراعة ،وهي نفسها الخطوات التي يضعها البنك الدولي كشرط للاقراض او اعادة جدولة الديون . كما يرى التقرير ان " الارتفاع البالغ في معدلات الفقر " يعد من الاثار المباشرة للعولمة حيث لا يزال الفقر جاثما على الدول النامية بل وتشتد وطأته يوما بعد يوم على الرغم من تبني تلك الدول لبرنامج التكيف الهيكلي منذ ما يزيد على العقد. حيث لا يتمتع ثلاثة اخماس سكان البلدان النامية بالمرافق الصحية الاساسية ولا يتمتع قرابة الثلث بالمياة الصالحة للشرب ويفتقر الربع لمساكن لائقة بينما يعيش الخمس بعيدا عن الخدمات الصحية .كما وصلت نسبة الفقر في مصر كما يبين التقرير الى حوالي 38.3% من اجمالي السكان حيث يوجد اكثر من نصفهم في المناطق الريفية . كما يعد " الهبوط في الاجور الحقيقية " من أحد مظاهر انتهاك الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية وذلك من جراء اتباع السياسات الجديدة حيث هبطت الاجور الحقيقية في معظم البلدان الافريقية منذ اوائل الثمانينات بواقع من (50ـ60%) ،وفي مصر قامت الدولة بعدد من الاجراءات لتخفيض الميزانية فضلا عن السياسات التقشفية التي اتبعتها الحكومة في الفترة الاخيرة والتي كان من اهم مظاهرها تطبيق المرحلتين الثانية والثالثة من ضريبة المبيعات مما يؤدى الى الهبوط بالاجور الحقيقية للعاملين. ويؤكد التقرير على ان " الانخفاض في الاعتمادات المخصصة في الميزانيات للخدمات الاجتماعية " يعد من اخطر مظاهر انتهاك الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية للسكان حيث يترتب عليها تعرض الحق في الغذاء والصحة والتعليم والمأوى للخطر جراء عدم قدرة المواطنين على الحصول عليها بالرغم من كونها حاجات اساسية لا يمكن العيش بدونها . حيث تتحول السياسة الزراعية من الانتاج الغذائي من اجل الاستهلاك المحلي نحو الانتاج من اجل التصدير وجلب العملة الصعبة مما يؤدي الى انخفاض مستوى الغذاء وانتشار سوء التغذية على نطاق واسع خصوصا بين الفقراء . وكذلك الامر بالنسبة للحق في التعليم حيث تصل نسبة الامية فى الريف الى 50% من سكان الريف والذين يمثلون نحو 59% من سكان مصر فى حين وصلت نسبة الامية فى الحضر الى 2, 58% من سكانه الذين يبلغون نحو 8, 41%من السكان. كما لم تشذ الخدمات الصحية عن هذه القاعدة ،حيث شهدت تراجعاً خطيراً بسبب التخفيضات التى طالت ميزانيات الصحة الحكومية ، ذلك أن الأهداف الإجتماعية حلت محلها الضرورة المالية . كما أن فشل صندوق النقد والبنك الدوليين في حماية ميزانيات الصحة والغذاء والتعليم من الضغط المالي العام عند تصميم برامج التكيف الهيكلي يعد خطأ فادحاً في مجال السياسات العامة. وللتخفيضات الشديدة فى هذه المجالات أثاراً سلبية علي التقدم الإجتماعي ، وهذه الأثار بدورها تؤثر علي الإنتاج الإقتصادي للموارد البشرية وتخلق استياء من الحكومة لدي المواطنين المهمشين . وفي مصر مثلا نجد ان نصيب التعليم من جملة الانفاق العام للدولة لم يشهد سوى ارتفاعا طفيفا في الفترة من (1981ـ1997) حيث زاد من 11.2 %الى 12.5 %فقط في حوالي سبعة عشر عاما على الرغم من الزيادة الكبيرة لأعداد السكان في الفترة نفسها .وفي الوقت نفسه تقف الاجور المتدنية والاسعار المرتفعة للمباني ومستلزمات البناء حجر عثرة امام تمتع المواطنين بحقهم في المأوى الملائم خصوصا بعد انسحاب الدولة من هذا المجال كأحد السمات الرئيسية لبرنامج التكيف الهيكلي . و الامر نفسه بالنسبة للحق في الرعاية الصحية والعلاج حيث لم تتجاوز الاعتمادات المخصصة للانفاق على الصحة في الموازنة العامة بمصر مثلا سنة 1999 حوالي 4%من حجم الموازنة العامة ؛خصص منها 22% للرعاية الصحية الاولية و15%للخدمات الوقائية بينما حصلت برامج العلاج والمستشفيات على 61% من الانفاق على الصحة . كما يتعرض التقرير " للتعدي المستمر على حقوق العمال " كأحد مظاهر تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي في كافة دول العالم وخصوصا الدول الفقيرة حيث تم التوسع في اصدار التشريعات التي تنتهك حقوق العمال في العمل والاجر والضمان الاجتماعي بل وحتى في التعبير وتكوين النقابات العمالية و الاضراب . ويشير التقرير الى ان قانون العمل الجديد الذي وضعته الحكومة المصرية مؤخرا واقره البرلمان المصرى من حيث المبدأ فى شهر يونيو الماضى يعد أحد النماذج لتقنين الجور على حقوق العمال . ومن الاثار الاخرى لسياسات العولمة كما يستعرضها التقرير " تزايد اعباء الديون الداخلية و الخارجية" ويكفى أن نشير فى هذا الصدد إلى أن جملة الديون الأفريقية قد زادت من نحو 176 مليار دولار عام 1982 لتصل إلى 296 مليار دولار عام 1992 ،فى الوقت الذى ارتفعت فيه أعباء تلك الديون ،بحيث ارتفعت من 344 مليار دولار فى عام 1997 الى 350 مليار دولار عام 1998،كما بلغ حجم تلك الديون 66% من الناتج المحلى الاجمالى ،وبلغ نسبة قدرها 303% من صادرات السلع والخدمات. من ناحية أخرى فقد أدت برامج التكيف الهيكلى الى تدمير مساحات واسعة من الموارد الطبيعية ففى الكاميرون ،مثلاً، تنفذ 150 شركة عاملة مرخص لها فى مجال الخشب، ومن بينها 23 شركة محلية عمليات واسعة لقطع الأشجار لأغراض تجارية ،وتقوم وزارة ناميبيا لمصائد الأسماك البحرية بصيد عجل البحر على نطاق واسع لأغراض تجارية للتصدير الى الشرق الأقصى وحسب فريق العمل الناميبى المعنى بالحيوانات فإن معدل وفيات عجل البحر فى السنة الأولى وصلت إلى 95 فى المائة وفى غانا يجرى حالياً إنعاش صناعة الخشب بدعم من البنك الدولى للتعويض عن الهبوط فى الصرف الأجنبى الآتى من الكاكاو ، وارتفع انتاج الخشب من 147000 متر مكعب الى 413000 متر مكعب فى الفترة ما بين 1984 و1987 وقد عجل ذلك التدمير المطرد لغابات غانا التى انخفض حجمها بشكل كبير نتيجة لعقود من تحويل أراضى الغابات إلى أغراض زراعية ،وكما حصل ذلك فى أنحاء أخرى من العالم فإن هذه السياسات من المحتمل أن تؤدى إلى وضع كارثى حيث ينخفض إنتاج الأغذية وتتدنى خصوبة التربة وتسود مشاكل توريد المياه . هذا ويلفت التقرير الانتباه الى " تزايد اتساع الصدع بين الدولة و المجتمع" حيث أصبحت حكومات عديدة من حكومات العالم الثالث عرضه للمحاسبة أكثر فأكثر لدى الدائنين الخارجيين (صندوق النقد والبنك الدوليين بشكل خاص) وذلك بدرجة تفوق بمراحل قدرة مواطنيها على محاسبتها ،وفى غالبية دول العالم الثالث تخضع الحكومات لضغوط تفرضها قوى العولمة الخفية، ومن أسفل القوى الإجتماعية الخاسرة من عملية إعادة تشكيل الإقتصاد ،فى الوقت الذى يتقلص فيه حق المواطنين فى المشاركة مشاركة كاملة فى أطر سياسة التنمية الديمقراطية ،هذا التضارب بين الدولة والمجتمع يضعف إمكانيات تعزيز الديمقراطية فى بلدان عديدة ويضعف بالتالى الافاق المترتبة لحماية حقوق الإنسان. يستعرض التقرير الفئات المتضررة من تطبيق السياسات الاقتصادية المذكورة مبينا مدى عمق الاثار السلبية التي يتعرض لها هؤلاء بالنسبة لمستواهم المعيشي و حقوقهم الاساسية .ومن بين تلك الفئات المضارة الفلاحون- الاطفال – النساء- العمال- الحرفيين –أصحاب المشروعات الصغيرة. ويخلص التقرير الى عدد من التوصيات التي تعد خطوة على طريق الدفاع عن الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية ، مؤكدا على ان الظرف الراهن يلقي بعبء متزايد على نشطاء المجتمع المدنى عموماً ببذل المزيد من الجهود نحو العمل على وضع سياسات اقتصادية بديلة تهدف الى تنمية ديمقراطية عادلة وانسانية وتتمسك بالاستراتيجيات والمطالب التي تحددها احتياجات القطاع الواسع من سكان العالم والتي على رأسها اسقاط ديون العالم الثالث .وأخيراً والعمل على تعديل الاتفاقات غير الانسانية التى تحاول المؤسسات المالية والتجارية الدولية فرضها على العالم . ويناشد المركز كافة منظمات المجتمع المدنى الدولية والمحلية مطالبة الحكومات والمؤسسات باتباع هذه السياسات وتفعيلها من خلال تجمعهم فى جوهانسبرج لتعزيز اوضاع التنمية والموارد فى العالم .
|