21

- " أطفال المزارع ...... والموت البطئ " بتاريخ 18/ 8/2001  

" انا كنت واقفة معاهم وماسكة الخرطوم والهوا كان جاى علينا وكنا بنشم الدوا  بتاع القطن اللي رحتة وحشة زى التكسوفين وحسيت أن عينى وبطنى وجعنى وأنى دايخة ولقيت موسى أخوى مغمى عليه فى الأرض وبعد شوية كلهم وقعوا واتقلبوا على الأرض أنا ورأفت اللى كنا واقفين على رجلينا وحاسين بدوخة ومغص ، وجت المقاوله عزة وخدتنا على العربية ودتنا مسشتفى مالقيناش حد يكشف علينا ، فجريت بينا على مستشفى قصر كفر الشيخ وهناك عملولنا غسيل معدة بمية وملح و كشفوا علينا ورقدنا ليلة في المستشفى و طلعنا تاني يوم ..  "

   كانت تلك شهادة أحد الضحايا العشرة الذين تسمموا بسبب عملهم فى رش المبيدات فى قرية دماطية والتى يستعرضها تقرير الأرض الأخير " أطفال المزارع .. و الموت البطيء " العدد (21) من  سلسلة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية .

   و ينقسم تقرير الارض الى ثلاثة فصول :

ـ القسم الاول بعنوان " قرية التسمم .. قرية خلف ممر الحياة "   حيث يصف  ظروف قرية دماطية التابعة لمركز قطور محافظة الغربية من حيث الموقع و عدد السكان و الحالة التعليمية و البنية الاساسية بالقرية ، و يبلغ عدد سكانها حوالي 10 الاف نسمة ولا توجد أي منشئات خدمية بدء من عدم وجود مياة نقية و شبكة صرف و انتهاء بعدم وجود مستشفى او أي وحدة علاجية . و ليس هناك سوى اثنين فقط حصلوا على التعليم العالي بينما عشرة اخرون حصلوا على شهادات متوسطة . و هي قرية تتردى فيها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية معظم رجالها هاجروا الى اماكن اخرى للعمل بينما بقيت النساء لتدير شئون الحياة بالقرية و معظم اطفال القرية بما فيهم الذين في المدارس يضطرون للعمل في المزارع حتى يساعدوا اسرهم في العيش . و هؤلاء الاطفال يقومون بجميع الاعمال الزراعية تقريبا ومن بينها رش المبيدات و هي الوظيفة الاخطر على الاطلاق حيث عادة ما ينجم عنها حوادث تسمم تصيب الاطفال .

ثم ينتقل التقرير إلى القسم الثاني ليصف حادثة تسمم الاطفال العشرة الذين من بينهم اربعة اخوة و شقيقين اخرين و تتراوح اعمارهم من التاسعة حتى الثانية عشر، كما ان ثمانية من هؤلاء الاطفال في مراحل التعليم بينما اثنين منهم يعملون باليومية فى قطاع الزراعة ، و يضطر معظمهم الجمع بين العمل و الدراسة ويعرض التقرير شهادات الطفال وأهاليهم حول ظروف عملهم وخاصة الحادثة الأخيرة ، فيقول أحدهم :

" أنا بسرح فى الأرض علشان أساعد اهلي وأخواتى في المعيشة ..  كنت أيام المدرسة بغيب ساعات علشان أسرح وكل يوم أجازة كنت بسرح وتانى يوم أروح المدرسة ، وساعات كنا بنيجى من المدرسة الظهر نأكل وننزل نشتغل من الساعة 2 لحد الساعة 6 واليومية 2.5 وفى يوم الحادثة كان أجازة من الامتحان قولت أسرح وحصل اللى حصل وجبت ملحقين علشان مقدرتش أروح فى المادتين دول بعد ماتعبت ".

ويحكي الأطفال وأهاليهم مشاكلهم ليس فقط من ضيق الحال و كتر العيال و لكن ايضا من الاهمال الشديد لهم:

" أنا قلت العيال ماتوا والعربية انقلبت قالوا لنا العيال فى المستشفى تعابينين شوية ، جرينا على قصر كفر الشيخ وكنا ناس ياما ولقينا 3 رجالة قاعدين فى شباك قالوا لنا خلاص مواعيد الزيارة خلصت لكن لو عاوزين تدخلوا كل واحد يدفع 5 جنيه وبعد شوية قالوا لنا 3 جنيه قلنالهم أحنا عيالنا فوق ومش عارفين جرى لهم أيه لحسن يموتوا عايزين نشوفهم حرام عليكوا دة أحنا غلابة ومستلفين أجرة العربية اللى جبتنا هنا قالوا لنا لأ مافيش دخول ، سى السيد مسك فى الحديد بتاع الشباك والراجل قعد يضرب على أيده بسن القلم لما دراعه وجعه وبقى مش قادر يحركه 15 يوم وأنا أحطله مرهم ...... الرجاله مسكوا فى الرجالة اللى واقفين على الشباك وبردوا مطلعوناش نشوف العيال ، وبعدين خدنا بعضنا وطلعنا على المحافظة وهناك بعتوا معانا إتنين هما اللى دخلونا المستشفى نشوف العيال ولقينا العيال راقدين على السراير ومعلقين لهم جلكوزو محاليل وكان وشهم أصفر وعينيهم حمرا وشكلهم تعبان أوى وقالوا لنا أنهم كويسين وهيباتوا وبكرة هيخرجوا .. وبعد ماخرجوا ما حدش سأل فينا غير النيابة اللي طلبت الرجالة و عيالهم علشان تحقق في الحادثة " .

و يشيرالقسم الثالث الى ان الاهمال بلغ مداه في تيقن الجميع من إن المهندس الزراعي الذي كان يشرف على عملية رش المبيدات هو المتهم الاساسى في الواقعة إلا إنه هرب ولم يعثر له على أثر .حيث لم تقم الشرطة او النيابة باي تحركات ايجابية لصالح هؤلاء الضحايا فيما عدا الاجرائات الروتينية المتبعة في مثل تلك الحوادث . هذا فضلا عن محاولة الشرطة القاء تبعة ما حدث على الاهالي انفسهم : "  المستشفى كانت عايزة تعمل محضر إهمال للأهالى كل واحد من أبو العيال كانت عايزة تعمله محضر إهمال لكن أنا فهمتهم فى المستشفى العيال بتشتغل فى الأرض تنقر أو تملخ المبيدات مش شغلة العيال وأن المسئول هو المهندس هو اللى أداهم الرش وهو يعلم بخطورته وعلشان كدة خد بعضه ومشى وسابهم فى الأرض لوحدهم ، يبقى المهندس هو المسئول وفهمت الفلاحين وقلت لهم مايتكلموش الإ فى النيابة وراحوا النيابة ووكيل النيابة بيسألهم عن الإهمال ومسئوليتهم والرش وضحوا له الموضوع " .

هكذا تنتهى كل الحوادث المكررة فى الريف الخاصة بعمل الأطفال سواء اصابات من المبيدات أو اصابات طرق بمحضر ملئ بالتناقضات ليتمكن المتهم من الإفلات بحكم البراءة لأن المحضر لا يتهم أحد ويقوم المحقق بمجرد أثبات الحالة بصرف النظر عن تحقيق المحضر والوقائع وهكذا مرت المصيبة ولأن الريف البعيد  المجهول التائه حول صخور خريطة بلادنا وعلى شواطئ الترع لايزال بعيدا عن أهتمام المسئولين

فان تكرر هذه المصيبة لن يمنعها أحد . ويرى المركز تكاتف الأجهزة المختلفة كفيل بالمساهمة فى وضع حل لهذه المشكلة .

   ويستعرض القسم الرابع من التقرير " مخاطر استخدام المبيدات "  فيتعرض لقضية المبيدات الزراعية في الريف المصري مستعرضا اهم انواعها و المخاطر الناجمة عنها حيث يشير الى ان معظم المبيدات التي تم حظر استخدامها دوليا و محليا يستطيع الفلاحين الحصول عليها من السوق السوداء بسهولة هذا فضلاعن ان وزارة الزراعة لا تطبق أي سياسات واضحة في استخدام وتوزيع المبيدات . و من ناحية اخرى يتعرض هذا الجزء من التقرير لقضية الوعي الغائب في الريف المصري ، حيث يفتقد الفلاحين للوعي و الخبرة اللازمتين في استخدام المواد الكيماوية في الحقول وفي الوقت نفسه فإن المسئولين في وزارة الزراعة لا يبذلون أي مجهودات حقيقية لنشر الوعي بين الفلاحين او حتى بين المشرفين على مثل تلك العمليات الزراعية الخطيرة . اذ يترك الامر لكل قرية على حده او حتى لكل مالك على حدة ؛ فمثلا يتم النزول للحقول بعد رش المبيدات بفترة قصيرة مما يؤدي الى امتصاص اجساد و صدور العمال الزراعيين لكل السموم الموجودة في المبيدات بل ان احد الاطفال قال " كنا بنلم اللطع من القطن و هم كانوا بيروشوا المبيد في نفس الوقت ‍‍ ‍ " .

و ينتهي التقرير بالجزء الأخير " ملاحظات ختامية " الى عدد من التوصيات الهامة حول كيفية تلافى أثر استخدام المبيدات على عمل الأطفال. وسوف نستعرض بعض تلك التوصيات كالتالي :

·           يجب أن تضمن الجمعيات التعاونية توافر العلاج الطبي المجاني من إصابات العمل مراض المهنة، حسبما تنص عليه المادة 147 من اللائحة التنفيذية لقانون الطفل.

·           يجب تعديل قائمة أمراض المهنة الملحقة بقانون التأمين الاجتماعي بحيث تتضمن التسمم بالمبيدات، والأمراض الراجعة إلى شدة الحرارة، وغيرها من الأمراض المرتبطة بالعمل الزراعي؛ ويجب تطبيق القانون نفسه على العاملين الزراعيين.

·           لابد من توعية الأسر الريفية بالأمراض المهنية المتعلقة بالعمل الزراعي، بما في ذلك التعرض للحرارة والمبيدات وغيرها من المواد السامة في البيئة، وتوعية كل أسرة بوسائل تقليل خطر الإصابة بمثل هذه الأمراض.

·           يجب تخصيص فترات لحظر دخول الأطفال إلى المناطق التي استخدمت فيها المبيدات، نظراً لأنهم أشد عرضة من غيرهم لامتصاص المبيدات واحتجازها في أجسامهم، فضلاً عن حساسيتهم المفرطة للسموم الكيميائية. وخلال هذه الفترات المحددة يحظر دخول الأطفال إلى منطقة تمت معالجتها بمبيدات الآفات لفترات زمنية محددة عقب استخدام المبيدات، وتتفاوت هذه الفترات تبعاً لتركيز الكيماويات المستخدمة ودرجة سميتها.

·           ينبغي أن تتم عمليات الرش التي يقوم بها المزارعون تحت مراقبة المهندس الزراعي وموظفي مكافحة الآفات في الجمعيات التعاونية بكل قرية. ويجب إلزام المزارعين بإبلاغ المهندس الزراعي قبل البدء في الرش، واتخاذ الترتيبات الكفيلة بمنع تواجد الأطفال في الحقل لحين انقضاء الفترة التي يكون الدخول فيها مقصوراً على غير الأطفال.

·           يجب فرض حد أدنى لسن من يجوز له تداول مبيدات الآفات، وهو 18 عاماً. ويجب على المهندسين الزراعيين وموظفي مكافحة الآفات في الجمعيات التعاونية التحقق من أن الأطفال لا يشاركون في عمليات استخدام المبيدات، ولا في أي وظيفة مساعدة تعرضهم بصورة مباشرة للمبيدات. ويجب توقيع عقوبات على المزارعين وموظفي الجمعيات التعاونية الذي يشغلون أطفالاً في هذه الأنشطة.

·           يجب تسجيل المبيدات التي صنفتها منظمة الصحة العالمية باعتبارها من الفئة  "شديدة الخطورة"، بحيث تصبح من المنتجات المحدودة الاستخدام، ولا يُسمح بتداولها إلا للموظفين المؤهلين مهنياً المرخص لهم بذلك من وزارة الزراعة.

 

      و في النهاية نشير الى ان الانطباعات التي رأيناها على وجوه اهالي " دماطية" جعلتنا متأكدين بأن هذه القرية البعيدة التى يلعب فيها النساء دورا كبيرا فى إدارة الحياة يملكون القدرة على لعب دور اكبر بكثير في ادارة شئون القرية ، حيث يملكون من الارادة و الامل ما يجعلنا نندهش من تلك الارادة التي يتحلى بها هؤلاء المواطنون الفقراء .....انها أرادة أقوى من الأزمة ... أقوى من الجهل ... إرادة يمكن ان تلحق بالثورة العلمية والتكنولوجيا في العالم ..  لكنها تحتاج فقط إلى إيمان النخب والمثقفين ووسائل الأعلام بقوتها وابداعاتها لوضع حلولا لأزمات مجتمعنا بمشاركة الناس انفسهم .. وحتى نتمكن من اعادة هؤلاء الأطفال إلى مقاعد الدراسة وساحات الملاعب ...... من اجل مستقبل مشرق لبلادنا ..

ويأمل المركز أن يعمل المسئولين على تنفيذ تلك التوصيات كفالة لحقوق أطفالنا فى حياة كريمة .

العودة إلى القائمة