5

أحوال العمال فى بر مصر عام 1998... عام حافل بالاضرابات

يكشف هذا التقرير الذى يعد الخامس ضمن سلسلة "تقارير الحقوق الإقتصادية والإجتماعية" التى يصدرها مركز الارض لحقوق الانسان الحالة المتردية لأوضاع العمال فى مصر،سواء على صعيد عمال قطاع الأعمال الذين يواجهون إدارات جديدة تبذل قصارى جهدها لدفعهم دفعاً لإبعادهم عن العمل سواء عن طريق تقديم إستقالاتهم أو الخروج على المعاش المبكر أو على صعيد عمال القطاع الخاص الذين يعملون فى ظل غياب ضمانات كافية تكفل الحد الأدنى لحقوقهم وبالتالى فهم عرضه للنقل أوالتشريد أو الخصم ،كما يفتقد معظمهم لأية حماية نقابية

ويستعرض التقرير فى جزئه الأول تطور تشريعات العمل فى مصر بدء من محمد على الذى شهد موجة التصنيع الأولى وصدور لائحة سعيد باشا والى مصر عام 1856 لتنظيم السخرة فى عمليات حفر قناة السويس ،وكذا ألقاء الضوء على إقرار أول تشريع للنقابات العمالية عام 1942 وكذا أول قانون لعقد العمل الفردى فى مصر عام 1944 وذلك بعد تسع سنوات كاملة من الشد والجذب من الصراع بين العمال وأصحاب الأعمال ،ثم سلسلة التشريعات التى صدرت بعد عام 1952 والتى تعد تتويجاً لمرحلة من الكفاح العمالى بشأن عقد العمل الفردى والتوفيق والتحكيم ونقابات العمال والضمانات ضد الفصل وحماية النقابيينوعلى صعيد أخر يلفت التقرير الإنتباه إلى بدء موجه من الهجوم على حقوق العمال منذ عام 1974 وذلك بأقرار عدد من التشريعات 00أهمها ما جاء فى أعقاب إتباع الحكومة المصرية لسياسات الإصلاح الإقتصادى وهو ما أنعكس فى إستثناء شركات الإستثمار من أحكام تشريعات العمل ،وصدور القانون رقم(2) لسنة 1977 والذى قضى على معاقبة كل من يقوم بالإضراب عن العمل والإعتصام بالأشغال الشاقة المؤبدة ،وكذلك إضافة المادة (86) لقانون العقوبات بمناسبة صدور القانون رقم 97 لسنة 1992 والذى نص على تعريف فضفاض للأرهاب يتسع للإعتصامات العمالية داخل مواقع العمل 00ثم جاء القانون رقم 203 لسنة 1991 بشأن شركات قطاع الأعمال والذى قضى على معظم حقوق وضمانات العاملين بالقطاع العام حيث نص على إنهاء العمل بالقانون (48) لسنة 1978 بالنسبة للعاملين بالشركات التابعة من تاريخ أعتماد لوائحها الداخلية مما حرم العاملين من الضمانات والمزايا المقررة فى القانون 48 لسنة 1978 والتى لا مثيل لها فى قانون 137 لسنة 1981 (الفصل،النقل،الأجر) هذا بالإضافة إلى أدخال العديد من التعديلات على القانون رقم (12) لسنة 1995 ، والذى أدى إلى مزيد من أضعاف التنظيمات النقابية وتقليص دور اللجان النقابية وجمعيتها العمومية هذا بالإضافة إلى الحد من شخصيتها المعنوية ، وشدد من قبضة النقابة العامة على اللجنة النقابية ،مما يجعل العمال محرومين من وجود تنظيم نقابى يعبر عن أمالهم ومصالحهوأخيراً فأنه من المنتظر أن تشهد الفترة القادمة صدور قانون العمل الموحد الذى صدر أول مشروع له عام 1993 وظل حبيس الأدراج خوفاً من تزايد الإحتجاجات العمالية لما يحتوى عليه من أنتقاض لضمانات العاملين وأنشغال الحكومة بتطبيق قانون طرد المستأجرين 00ويعد هذا القانون من أهم الحلقات فى سلسلة التشريعات التىتستهدف تقليص حقوق العمال إلى أدنى مستوى حيث يحاول التقرير أن يتناول أهم الإنتقادات التى توجه لهذا المشروع

وعلى صعيد أخر يسلط التقرير الضوء على الإحتجاجات العمالية خلال عام 1998 والتى بلغت ما يقرب من (70) إحتجاجاً (إضراب ،تظاهر،أعتصام) طيلة الشهور (11) الماضية وشهدت تدخلات أمنية واسعة 00وقد وقعت هذه الإحتجاجات في كافة القطاعات الصناعية المهمة بالإضافة إلى وقوع أضرابات تضامنية كثيرة ،ومن أمثلة ذلك أضراب عمال ثلاثة مصانع فى شركة الأهرام للمشروبات التى تمت خصخصتها فى وقت واحد ،كما نظم عمال مصنع الأسمدة فى السويس إضراباً تضامنياً مع عمال الأسمدة فى طلخا -كما ظهرت إحتجاجات أنضم فيها عمال كانوا قد خرجوا على المعاش المبكر إلى الأعتصام مع زملائهم كما حدث فى مصنع الورق ببهتيم 00ومن أبرز أسباب هذه الإحتجاجات -التى وقعت فى مصر خلال هذا العام المنصرم -أولاً شدة هجوم الدولة على مصالح العمال فى أطار سياستها لتسريع عمليات الخصخصة ،حيث تسعى الدولة وفقاً للأحصاءت الرسمية إلى خصخصة 314 شركة من أجمالى شركات قطاع الأعمال العام بحلول عام 2000 بينما لم تستطع حتى الآن إلا خصخصة ما يقرب من (84) شركة فقط ثانياً محاولة التخلص من 650 ألف عامل بحلول عام 2000 حتى تتمكن من أعادة هيكلة الشركات بعد أن تم بالفعل التخلص من 400 ألف عامل خلال السنوات الماضية0ويرصد هذا الجزء أهم القضايا التى شغلت الحركة العمالية فى مصر والأسباب التى كانت وراء الكثير من الإحتجاجات المصاحبة لها وتنقسم هذه الأسباب إلى الأتى:

أولاً الأجور والحوافز: اللافت للنظر أن قضايا الحوافز والأجور أحتلت النصيب الأكبر من أحتجاجات العمال وأن هذه الإحتجاجات أمتدت لفروع عمال الصناعات الأوفر حظاً فى الأجر والراتب كالصناعات الهندسية 00حيث شهدت الشهور الحادية عشر الماضية هجمات ضارية على أجور وحوافز العاملين بشركات قطاع الأعمال الذى أخذ أشكالاً متنوعه فتارة يتم الإنقضاض على الأجر وتارة أخرى على الأجر المتغير ولكن الدافع الرئيسى كان دائماً هو تقليل حجم الخسائر المالية لتلك الشركات ،ووفقاً لتقرير الجهاز المركزى للمحاسبات فإن هناك 164 شركة خاسرة ومتعثرة وأن أجمالى العجز فى هذه الشركات يصل إلى 9, 417 مليون جنيه 00وقد أدى هذا الخفض المتتالى فى أجور العمال أن برزت دراسات عديدة أشارت إلى الإختلال الشديد بين الأجور والأسعار فى مصر وهو ما يدفع بالاسواق المصرية إلى تدنى القوة الشرائية وتزايد معدلات الركود

ثانياً: المعاش المبكر: فى إطار رغبة الحكومة لسرعة التخلص من العمالة الزائدة لديها فقد طرحت فكرة المعاش المبكر لأول مرة عام(96) وبمقتضاه يتم صرف تعويضات للعمال مقابل الخروج مبكراً على المعاش وذلك حسب سنوات الخدمة 0وفى هذا السياق فقد تم الإعلان عن أن المرحلة الأولى تضمن تطبيق نظام الخروج على المعاش المبكر على 27 ألف عامل فى (41) شركة ،وبأن تكلفتها ستكون 618 مليون جنيه وبأنها ستحقق وفراً فى الأجور مقداره 189 مليون جنيه،إلا أنه وفى العام الحالى ونتيجة للضغوط المتزايدة على العمال بقبول خيار "المعاش المبكر" تقدمت أعداد واسعة وصلت إلى (80) ألف طلب تمت أحالة (60) منهم فعلياً للمعاش المبكر 0غير أن تباطؤ الحكومة فى صرف المستحقات المالية لطالبى المعاش المبكر التى بلغت ملياراً و 467 مليون جنيه كانت سبباً لأن تشهد بعض المصانع طيلة الفترة الماضية أشكالاً متنوعة من الإحتجاجات ضد هذا التباطؤ غير أن أخطر الأثار المتوقعة للمعاش المبكر التى بدأت أثارها تظهر بالفعل هو تزايد أعداد البطالة فى المجتمع حيث سرعان ما تتبدد المكافأت لينضم العمال إلى جيش البطالة الذى وصل إلى (3) مليون عاطل مما يشكل قنبلة موقوته فى المجتمع

ثالثاً :الفصل التعسفى وتصفية المصانع : شهدت الفترة الماضية توسع كبير فى فصل العمال وتشريدهم وهو ما تم تقنينه فى العديد من القرارات والقوانين الأخرى وأخرها مشروع قانون العمل الموحد الذى يمكن أن يطلق عليه قانون تشريد العمال حيث ألغى كافة الضمانات الواردة فى القانون لحماية العاملين من النقل ،وأطلق يد إدارات الشركات فى هذا الشأن والتى تجلت فى بروز ظاهرة الفصل التعسفى

رابعاً الحرية النقابية : من ناحية أخرى أشار التقرير إلى الإنتهاكات التى تعرض لها العمال فى ظل غيبة التنظيم النقابى الذى وقع فى كثير من الأحوال فى الصفوف المعادية للعمال 0كما تضمن الإنتهاكات التى تعرض لها النقابيين والتى أكدت على ضرورة أحداث تعديلات فى هيكل التنظيم النقابى وتبنى الكثير من النقابيين المهتمين بالشئون العماليه لفكرة التعدد النقابى لمواجهة ضعف الإتحاد العام من جهة ووجود أعداد واسعة من العمال خارج التنظيم النقابى من جهة أخرى، حيث ان هناك ما يقرب من 95% من عمال شركات المدن الجديدة 200 ألف عامل غير منضمين للتنظيم النقابى، ويتعرضون لإنتهاكات واسعة من أهمها أجبارهم على توثيق إقرارات بالإستقالة ،وكذا القرار الإدارى الخطير الذى أصدره السيد راشد رئيس الإتحاد العام بضرورة منح حق تشكيل لجان نقابية بالمنشأة التى يتجاوز عددها 250 عاملاً بدلاً من (50) عاملاً كما ينص القانون ،وقد تعرض عدد واسع من النقابيين للأضطهاد لدفاعهم عن حقوق العمال ،كما وقفت النقابة العامة حائلاً أمام رغبة أعداد كبيرة من العمال أثناء محاولتهم تشكيل تنظيمات عمالية

خامساً التعسف وأساءة المعاملة: على صعيد أخر واصلت قوات الأمن فى مناطق عديدة دورها فى التصدى للأحتجاجات العمالية وقد تباينت حدود هذا التدخل وفقاً لطبيعة تلك الإحتجاجات،ففى حين قامت قوات الأمن بالقبض على العديد من سائقى الميكروباص لفض الإضراب الذى نظموه ، قامت فى مناطق أخرى بالتفاوض مع العمال المضربين أوالمعتصمين ،بل أنها لجأت فى حالات عديدة إلى تعيين إدارة تابعة لها داخل المصانع لتتولى بدلاً من إدارة المصنع الحقيقة مهام النظام داخل الشركات،كما لجأت قوات الأمن فى أحوال عديدة إلى أستخدام عنف جديد غير مبرر ضد تلك الفئات التى تقوم بممارسة حقها فى التجمع السلمى مما يجعل مثل هذه التصرفات من قبيل العقاب الجماعى الذى يتضمن حرمان فئة إجتماعية أو مهنية من أتيان أعمال يشرعها القانون ويحتمها الدستور والمواثيق الدولية وفى هذا الصدد فقد أستعرض التقرير نماذج التعسف الإدارى والأمنى والقرارات العشوائية

ويأتى التقرير ليغطى أحدى عشر شهراً من عام 1998 م بدء من يناير حتى نهايه نوفمبر 1998م ولم ينتظر التقرير ليغطى الشهر الأخير من السنة لأن بعض الدوائر الحكومية والنقابية بدءت بشكل فعلى فى أعداد النسخة النهائية للقانون لطرحها على مجلس الشعب فى دورته الحالية وأكدت ذلك بعض التصريحات الصحفية لبعض المسئولين

* ونود أن ننوه بأنه بمراجعه أجمالى الاحتجاجات التى وقعت ثبت أن نصيب كل شهر من تلك الإحتجاجات العمالية كان أكثر من 11 أحتجاجاً ، أى بمعدل احتجاج عمالى كل ثلاثة ايام وهى احصائية يجب أن نقف أمامها طويلاً قبل تمرير قانون تعد نصوصه أسوء من نصوص القوانين المطبقة حالياً

والجدير بالذكر أن أى من هذه التحركات لم تكن تحظى برضا الإتحاد العام للعمال ،بل أن قليل من تلك الإحتجاجات ساهمت فيها بعض النقابات العامة أو اللجان النقابية

 وقد حاول التقرير فى الجزء الأخيرمنه أن يبين أهم التوصيات التى تشكل فى مجموعها الحد الادنى من الحقوق التى يجب إدراجها فى مشروع قانون العمل الموحد قبل اقراره فى الفترة القادم و التي منها :

ـ استمرار الضمانات الواردة في التشريعات الثلاثة الحالية الخاصة بالعاملين في كافة القطاعات فيما يتعلق بكافة حقوقهم الاقتصادية .

ـ تحرير الاضراب من القيود التي كبلتها المادة 197 من مشروع القانون .

ـ ربط الاجور بالاسعار .

ـ وضع قيود صارمة على حق صاحب المنشأة في الغلاق مع الزامه بدفعه تعويضات مناسبه للعاملين .

ـ تعديل البنود الخاصة بالمرأة و التي تتضمن العديد من الانتهاكات و الهجوم على حقوقها .

ـ النص على الضمانات القضائية للعامل المفغصول تعسفيا .

ـ توحيد يسن عمل الاطفال مع قانون الطفل و حظر عملهم في الاعمال الخطرة و تغليظ العقوبات للمخالفين لبنود القانون بشأن عمالة الاطفال .

العودة إلى القائمة