8

 فى تقرير جديد لمركز الارض أطفالنا 000 أكبادنا 00 من يحميهم من حر الصيف وتعب النهار

فى ظل الظروف التى تمر بها حركة حقوق الانسان المصرية والتى أثرت سلباً على أنشطة بعض المنظمات، يأتى صدور العدد الثامن من سلسلة “حقوق إقتصادية واجتماعية” تحت عنوان “اطفال المقاومة اليدوية لدودة ورق القطن  رحلة من التعب والشقاء"

ويأتى صدور هذا التقرير فى الوقت الذى يقوم فيه اطفالنا فى الريف فى هذا الهجير بالعمل أكثر من ثمان ساعات متتالييات فى الحقول الواسعة والأحواض المختلفة ينتقلون هنا وهناك ، يحاولون فى ثبات وصبر تجميع لطع البيض التى قامت حشرة دوده ورق القطن بوضعها على أوراق محصولنا الاستراتيجى الهام "القطن"

وعلى الرغم من عمل الاطفال المستمر فى هذا المحصول سواء ما يتم فى المقاومة اليدوية أو الكيماوية أو فىكافة المراحل الأخرى بداية من إعداد الارض للزراعة ثم الترقيع ثم الخف إلى مقاومة الحشائش والعزق إلى مقاومة الحشرات حيث تبلغ نسبة الاضرار الناتجة عن الاصابة بالحشرات إلى 50% وذلك تبعاً للطور الذى يصاب فيه محصول القطن ،إلا أن بروز ظاهرة عمل الاطفال فى زراعه هذا المحصول لا تظهر بهذا الوضوح إلا فى مرحله تجميع اللطع والتى تسمى "بالمقاومه اليدوية للحشرات"0هذا ويتناول التقرير عرضاً عاماً عن زراعة القطن بإعتباره أهم المحاصيل الإستراتيجية فى مصر ،والتى تبدأ زراعتة فى منتصف شهر فبراير من كل عام وذلك بعد تجهيز الأرض الزراعية من حرث وإقامة خطوط وخلافه وبعد ثلاثة شهور من زراعة القطن وتحديداً فى النصف الأخير من شهر مايو يبدأ الإعلان عن طريق الجمعية الزراعية بكل قرية ، تعلن فيه الجمعية عن حاجتها إلى صبية وشباب للعمل بفريق الكشافة بمعدل 1/4 فرد لكل فدان من المساحة المنزرعة قطن فى زمام الجمعية ويفضل من لهم خبرة فى مجال المقاومة اليدوية او سبق لهم العمل فيها

ويعمل فريق الكشافة لمدة عشرة ايام فقط ،وبعد نهاية هذه المدة يعد المرشد الزراعى بالجمعية الزراعية بكل زمام تقريراً عن حجم الاصابة وتحديد اماكن كثافتها ،ويتم بعد ذلك إبلاغ الجهات المسئولة بداية من الادارة الزراعية للمركز ومديرية الزراعة بالمحافظة ووزارة الزراعة ليكون جميع المسئولين على علم بحجم الاصابة ومدى كثافتها ،وبعد هذه الفترة ترسل وزارة الزراعة عن طريق مديرية الزراعة بالمحافظة اشارة إلى الجمعيات الزراعية بالقرى تفيد ببدء تنفيذ المقاومة اليدوية لدودة ورق القطن ،وقد ترأى لباحثى المركز فى قرية كفر سليمان مركز السنطة محافظة الغربية والتى تصل المساحة المنزرعة فيها بمحصول القطن إلى ما يقرب من 90فدان خلال عام 1999 إن عدد الأطفال العاملين فى المقاومة اليدوية لدودة ورق القطن يصل إلى 135 طفل أى بمعدل ثلاثة أطفال لكل فدانين ولم تستطيع الجمعية الزراعية بالزمام الوصول إلى هذا الرقم إلا بعد الانتهاء من العام الدراسى وحصول الاطفال على الاجازت الصيفية ،وكما ترأى لباحثى المركز فى قرية القيطون مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية والتى تصل المساحة المنزرعة قطناً بزمام جمعيتها الزراعية إلى ما يقرب من 112 فدان ، أحتاجت الجمعية الزراعية بالقيطون إلى 168 طفل يومياً للعمل بحقول القطن وقامت بتقسيمهم إلى فرق وكل فرقة عددها 20طفل ، ويرى خبراء الزراعة ومهندسى الزراعة بالجمعيات الزراعية أن كل فدان قطن يحتاج من طفل ونصف إلى طفلين للمقاومة اليدوية حسب شدة الاصابة بالدودة ،ومعنى ذلك أن هذا العام 1999 والمنزرع فيه ما يقرب 000 , 800 فدان قطن حسب التصريحات الصادرة من وزارة الزراعة على مستوى القطر المصرى تبلغ نسبه الاطفال العاملين بالمقاومة اليدوية ما يقرب من مليون ومائتى ألف طفل خلال هذا العام فى تقليب عيدان القطن للبحث عن بيض الدودة والتى يطلقون عليها أسم (اللطع) ،ويجرى تشغيل الاطفال عن طريق اعلان يعلق فى الجمعيات الزراعية فى الاماكن المنزرعه قطناً ،حيث تعلن فيه الجمعية عن حاجتها لعدد من الصبية والأطفال للعمل فى المقاومة اليدوية لدودة ورق القطن بأجر قدره ثلاث جنيهات فى اليوم الواحد ،وعندما يكون عدد طالبى العمل من الاطفال أقل من العدد اللازم لمساحة الأرض المنزرعة بمحصول القطن يتم استدعاء خفير الناحية من مدير الجمعية ليتم تسسليمه كشف بأسماء المزارعين لمحصول القطن بزمام الجمعية ،حيث يقوم بالتنبيه على المزارعين بضرورة أن يقوم كل فلاح زارع للقطن بتوفير من طفل ونصف إلى طفلين عن كل فدان منزرع بمحصول القطن

وفى حالة عدم استجابة مالك الارض أومستأجرها للتعليمات الصادرة من الجمعية الزراعية بإستخراج أطفال المقاومة يتم عمل مذكرة لمركز الشرطة التابع له زمام القرية بأسماء الفلاحين زارعى القطن الذين لم يوفروا أطفال للعمل بالمقاومة اليدوية فتقوم الشرطة بإستدعاء الفلاحين وتلزمهم باستخراج الاطفال المكلفين بهم من قبل الجمعية الزراعية ،وذلك إستناداً إلى قرار وزارى صادر فى عام 1965 ينص على أن" كل زارع لمحصول القطن ملزم بتوفير الاطفال اللازمين للمقاومة اليدوية وذلك بالعدد الذى تحدده الجمعية الزراعية التابع لها على ضوء نسبة الاصابة بالمحصول"

ويتقاضى الطفل العامل بالمقاومة اليدوية أجراً قدره ثلاثة جنيهات بحيث يحصل على الاجر كل عشرة أيام "وتسمى بالمدة" ، يتم العمل يوم الجمعة أيضاً وذلك لملاحقة الدودة قبل أن تكمل طور نموها

أيضاً يتناول التقرير رحلة العمل لهؤلاء الاطفال ،حيث تبدأ مع الصباح وقبل أن تشرق الشمس يصحو الطفل من نومه تضع له أمه رغيف من الخبز وقطعة من الجبن (القريش ) المنزوع الدسم فى منديل يحمله الطفل فى يده ويخرج من البيت ليلتقى مع ذويه من الأطفال كلاً يحمل فى يده منديلة وفوق رأسه طاقية من القماش بيضاء اللون ذات (رفرف) مستدير ،وأغلب الأطفال يلبسون ملابس بالية ،ويمضون فى أسراب إلى ساحة الجمعية الزراعية ،بعد لحظات يأتى الخولى يلتف الأطفال حوله حيث يقوم بعدهم وحصرهم مرات ومرات ،وما أن يكتمل العدد حتى يسوق الأطفال أمامه إلى الحقول التى يتم تقسيمها الى قطع مختلفه ،فعلى رأس الحقل (أ) مثلاً يصطف الأطفال ويخرج الخولى (دفتر الخولى )ليدون أسماء الأطفال ويتأكد أن العدد كامل ليأمر بعد ذلك الأطفال بالنزول فى خطوط القطن ،فيطيع الأطفال الأمر منحنين يقلبون أشجار القطن باحثين عن اللطع ،بينما يقوم الخولى بغرس الراية الحمراء عند رأس الحقل (أ ) لتعطى الاشارة للمهندس الزراعى بأن المقاومة اليوم فى الحرف (أ) الذى يستطيع أن يصل بسهولة إلى رأس الحقل ، بالإضافة إلى أن العلامة الحمراء ينشئ بجوارها حفرة كبيرة تخصص لحرق اللطع التى تم جمعها من الحقل خلال اليوم

وينهض بعد ذلك الخولىخلف الأطفال لينتقى أربعة منهم يتميزون بالقوة والمهارة فى البحث عن اللطع ،ليقوموا بفرز الخطوط وراء الأطفال ليتأكد الخولى أن الأطفال لم يتركوا بالأرض (لطع) وأنهم يقومون بالعمل كما يجب ، ويحمل الخولى فى يده عصا من الخيرزان متحفزة دائماً لمن يحاول أن يرفع رأسه من الأطفال ليستريح ولو للحظة بعد طول إنحناء ،ويقوم المهندس الزراعى فى نفس اليوم بمراجعة (دفتر الخولى) ليتأكد من أن أعداد الاطفال الموجود بدفتر الخولى مطابق للعدد الموجود بالأرض ويوقع فى الدفتر ويمضى المهندس للمرور على بقية فرق المقاومة فى الحوض الذى يليه ، وفى الساعة الحادية عشرة والنصف يمنح الاطفال (15)دقيقة (تشريبة) أى يسمح الخولى للأطفال بشرب المياه وفى الساعة الواحدة يجىء وقت الراحة من أشعة الشمس الحارقة والتى تمتد من الساعة الواحدة حتى الثالثة ظهراً يعتدل الأطفال من الإنحناء ويمشون بين شجيرات القطن إلى أن يصلوا إلى الراية الحمراء يفرغون ما معهم من (لطع) فى الحفرة ويشعل الخولى النار ،ثم يحمل الأطفال مناديل الطعام ويمضون إلى أقرب ظل شجرة حيث يجلسون فى حلقة كبيرة يفتحون المناديل ويقوموا بعمل( غديوة )أى يضع كل طفل من الأطفال ما معه من طعام ويأكلون سوياً الجبن والبصل وبعض حبات الطماطم ، أما الأطفال الذين قاموا بشراء أقراص الطعمية فيبتعدون عن بقية الأطفال حرصاً على هذه الأقراص من أن يلتهمها بقية الاطفال ،وحينما تنتهى وجبة الغذاء يخلع الأطفال ملابسهم ويقفزوا فى مياة الترعة المجاورة للشجرة التى كانوا يتناولون تحتها الطعام وبعد أن يفرغوا من الاستحمام فى مياه الترعة يخرجون بأجسامهم مبللة بالمياه يرتدون ملابسهم لتتبلل هى الاخرى بمياه الترعة ثم بعد ذلك يستلقون تحت الشجرة للراحة حتى الساعة الثالثة موعد العودة إلى جمع اللطع ،وفى تمام الساعة الثالثة والشمس مشتعلة يصطف الأطفال مرة أخرى وينزلون خطوط القطن فى تكاسل شديد فينهال عليهم الخولى بعصاه الغليظة على ظهورهم لانه يخشى أن يحضر المهندس فيخصم منه يوماً هو فى أشد الحاجة إليه وهكذا حتى ينتهى يوم العمل

أيضاً يتناول التقرير عرضاً لظروف تشغيل هؤلاء الاطفال فيما يتعلق بالاجازات والاجور والوجبة 000الخ 0التى تبلغ درجة عالية من التدنى فيما يتعلق بهذا القطاع من العمالة فى مصر ،كما يشير التقرير إلى أن الظروف الاقتصادية هى السبب الرئيسى بالنسبة للجوء هؤلاء الاطفال إلى العمل ، كما يستعرض التقرير العديد من حالات هؤلاء الاطفال والتى تمكن المركز من مقابلة العديد منهم حيث تناول فى هذا الجزء الموقف التعليمى لهؤلاء الأطفال وأسباب لجوءهم للعمل والظروف الاقتصادية والاجتماعية لأسرهم وظروف سكنهم والرعاية الصحية لهم

وفى النهاية يشير التقرير إلى إن عمالة الأطفال بما تضمنه من عوامل متشابكة ومعقدة تحتاج من جميع المهتمين أقتحاماً جريئاً ومناقشه تتناول أسباب تلك الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية 000 الخ ،وايجاد الحلول لها ،وإذا ما حاولنا أن نستقرئ من الواقع الراهن تصورات مستقبلية لتحسين ظروف تشغيل عمل هؤلاء الاطفال فسنجد أنفسنا أمام سيناريو واحد واحد لهذه الظاهرة وهو ايجاد وسائل حقيقة وموضوعية لتحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدينه لهذا القطاع فى الريف ، والتى من المتوقع للأسف أن تستمر فى تدينها وبخاصة فى ظل تراجع الدولة عن بعض مهامها وتبنى الدولة إقتصاديات السوق الحرة ، وكذلك مع إستمرار إرتفاع أسعار السلع والخدمات فى الريف فمن المتوقع أيضاً أن تشتد الضغوط المعيشية على الأسر ذات الدخل المنخفض فلا تجد أمامها سبيلاً سوى دفع طفلها إلى العمل ليرفع عن كاهلها عبء الانفاق عليه من جهه وكى يجلب لها دخلاً إضافياً من جهه أخرى

ومع الاستمرار فى هذا الوضع الحالى فانه مما لا شك فيه سوف تتزايد أعداد الأطفال العاملين وتتزايد بالتبعية اعداد الاميين ونسبه الاميه فى مصر بمالها من اضرار على كافه الاصعدة

ويرى المركز أن هؤلاء الاطفال يمكن تحسين ظروف عملهم بمراعاه عدد من البنود أهمها حصول هؤلاء الاطفال على خمسه عشر دقيقه راحه من العمل بعد كل ساعه عمل وذلك لارتفاع درجات الحرارة ، كما انه يجب توفير وجبه لهؤلاء الاطفال تحتوى على كوب لبن وذلك لتعويض ما يفقده الطفل اثناء العمل ، ويجب أيضاً توفير الامصال اللازمه لعلاجهم من لدغات الثعابين والحشرات المنتشرة بزراعات القطن ،كما يجب أن تحرر لهم عقود عمل لضمان حقوقهم خاصه التأمينيه والصحية وذلك لتعرض عدد كبير منهم لضربات الشمس ،كما يجب رفع أجور هؤلاء الاطفال الى خمسه جنيهات فى اليوم وتحديد عدد ساعات عملهم بما لا يزيد عن سبع ساعات يومياً

وفى النهاية يرى مركز الارض لحقوق الإنسان إمكانية قيام برنامج متعدد الأطراف تكون مسئوليتها الارتقاء بعماله الأطفال فى النشاط الزراعى ، ويقع على عاتق هذا البرنامج مسئولية تعليم وتدريب هؤلاء الاطفال وإتاحة الفرص أمام المتميزين منهم لمواصلة دراسته ،وفى نفس الوقت يقوم البرنامج بإعداد تصورات تنهى عزلة البرامج الدراسية عن الواقع الريفى الذى يعيشه الطفل وحتى لا يشعر الطفل بالاغتراب عن عالم الزراعة وعالم الدراسه

وإننا جميعاً مدعوون لمناقشه اكثر تفصيلاً حول إنجاز برنامج كهذا حتى لا نقف مكتوفى الأيدي أمام واحدة من القضايا التى تهدد مستقبل بلادنا ومستقبل الأجيال الشابة فى مصر ، وحتى يعود الأطفال إلى أمكانهم الطبيعية برياض الأطفال ومقاعد الدراسة

العودة إلى القائمة