10

كارثة استخدام المبيدات ... وانتهاك حق الغذاء فى مصر

فى تقرير جديد لمركز الارض لحقوق الانسان ،يصدر "العدد العاشر "من سلسلة" حقوق اقتصادية واجتماعية " متناولاً مخاطر استخدام المبيدات على صحة المواطنين والمياه والغذاء فى مصر ،وينوه التقرير على أن استخدام المبيدات فى مصر يعد سبباً للعديد من حالات التسمم التى تودى بحياة العشرات كل عام ، كما تصيب الالاف بأمراض مختلفة مثل الفشل الكلوى والكبدى ، والاورام السرطانية ، وتتوقع "بعض التقارير "زيادة حالات الاصابة بالسرطان فى مصر بسبب زيادة تلوث الغذاء والماء و الهواء .

ويحاول التقرير فى "الفصل الاول منه" تقصى أبعاد تلك المشكلة من خلال التعريف بالمبيدات والافات وما تتسبب عنه فى اهدار لحوالى 35% من الانتاج الزراعى، وموت نحو 50 مليون راس من الابقار والجاموس ، ومائة مليون راس من الاغنام والماعز فى العالم سنوياً . ويستعرض التقرير "الفصل الثانى والثالث " مخاطر أستخدام المبيدات وذلك عن طريق عرض للعديد من المأسى التى تعرضت لها العديد من بلدان العالم من جراء الافراط فى استخدام تلك السموم "المبيدات ".

فى الوقت الذى يشير فيه التقرير أيضاً الى ان مصر تعد من اكثر بلاد العالم استهلاكاً للمبيدات مقارنة بالمساحة المنزرعة وليس أدل على ذلك من وجود مئات الأنواع من المبيدات المستخدمة فى مصر وقد تم تحريم 200 نوع منها مؤخراً بالاضافة الى 47 نوع تم تحريمهما فى عام 1996 . هذا ويشير التقرير أنه خلال الثمانينات وحدها كان متوسط الاستهلاك السنوى من المبيدات فى حدود اربعة عشر ألف طن ارتفع خلال عقد التسعينات ليصل الى اكثر من 30 الف طن سنوياً ،هذا على الرغم من ان مساحة الاراضى المنزرعة لم تزد سوى مائة الف فدان ، وقد ارتفعت لتصل فى اواسط التسعينات الى اكثر من 34 الف طن ، فاذا ما اخذنا فى الاعتبار ان اغلب الاراضى المستصلحة حديثاً يقل فيها معدل استهلاك المبيدات لاكتشفنا ان نصيب الفدان خلال سنوات التسعينات لا يقل عن 6 كيلو جرام وهى نسبة مرتفعة جداً بالنسبة لأى استهلاك أى فدان فى العالم.

ومن المخاطر التى يرصدها التقرير من جراء استخدام المبيدات بمصر ارتفاع نسبة الفاقد فى الانتاج الزراعى الذى وصل الى نحو 16,5% كما ان الاراضى الزراعية تفقد نحو 30% من مساحتها نتيجة تلوث البيئة وخاصة تلوث مياة نهر النيل ، بالاضافة الى تدهور خصوبة التربة الزراعية الامر الذى يترتب عليه انخفاض الانتاج الزراعى بنسبة 10% سنوياً .

كما يذهب التقرير الى ان نسبة الاصابة بامراض الكبد قد وصلت الى درجة خطيرة خلال الفترة الاخيرة فهناك حوالى ستة ملايين مريض فى مصر منهم مليون فى حالة خطيرة يعانون من التليف والسرطان وفيروس C وذلك من جراء الاستخدام العشوائى للمبيدات والكيماويات الزراعية .

ويضيف التقرير الى " ان امراض الكبد بدأت تظهر الان بشكل كبير نتيجة الاستخدام العشوائى للمبيدات والكيماويات فى الزراعة منذ النصف الثانى من السبعينات ،خاصة وان امراض الكبد من الامراض التراكمية التى تمتد الى اكثر من 20 سنه حتى يظهر المرض بشكل مباشر، بإعتبار ان الكبد هو اول مصيدة للمواد الكيماوية التى تنتقل الى جسم الانسان ، وهو الذى يتلقى الدم من الامعاء مباشرة بعكس اجهزة الجسم الاخرى التى تتلقى الدم من الكبد بعد تنقيته ، وبالتالى يكون الكبد هو الضحية الاولى ،والملاحظ ان دخول الهندسة الوراثية فى الزراعة كان ايضاً من اهم عوامل زيادة الاصابة بالامراض المختلفة ولذلك اصبح تناول الخضر والفاكهة الملوثة اهم اسباب الاصابة بأمراض الكبد .

فىهذا الصدد يستعرض التقرير أيضاً ابرز الانتهاكات التى يتعرض لها الانسان والحيوان فى ريف مصر من جراء استخدام المبيدات ، ففى محافظة بنى سويف ساد الكساد اسواق اللحوم بسبب امتناع الاهالى عن شرائها خوفاً من انتقال امراض الماشية لهم بعد ارتفاع حالات نفوق الماشية وتسممها بقرية بنى عدى مركز الواسطى الذى وصل الى اكثر من 425 حالة ،كما ارتفع عدد الاصابات بالعمى والكساح الى اكثر من 50 حالة بالاضافة الى تغيير لون اللبن الى اللون الازرق وذلك نتيجة لرش الماشية بمبيد "ديازنون " .

وفى محافظة البحيرة يتعرض المواطنون لمعدلات تلوث مرتفعة ناتجة عن نشاط ثلاث شركات لصناعة الكيماويات ويعد سكان قرية حوض 9 الاكثر عرضه للخطر ،فالتقارير تؤكد بإستمرار ارتفاع نسبة الاصابة بالامراض الصدرية والوفيات بين الاهالى ، ولم يقف الامر عند هذا الحد بل تم انشاء مصنع اخر للمبيدات بنفس المنطقة فى عام 1996 على الرغم من القوانين الخاصة بحماية البيئة التى تتطلب وجود المصنع بعيداً عن الكتلة السكنية , الا ان اصحاب النفوذ تمكنوا من الحصول على تصريح باقامة المصنع بالمخالفة لقوانين البيئة ، وبالاضافة الى هذا المصنع هناك مصنعاً اخر للكيماويات تحت الانشاء بالمنطقة .

على صعيد اخر يحاول التقرير استعراض سوق المبيدات فى مصر واهم الشركات العاملة فى تلك الصناعة ومدى التزامها بالمعا يير الواجب الالتزام بها ،وما هىانواع المبيدات التى تقوم بتصنيعها ؟ وهل تدخل ضمن قائمة المبيدات المحظور استخدمها ؟ ويناقش التقرير الاطار التشريعى الذى يحكم استخدام المبيدات فى مصر ومدى اتساقها مع الاتفاقيات الدولية .

هذا ويخلص التقرير الى عدد من التوصيات التى يمكن ان تساعد فى التخفيف من الاخطار الناجمة عن استخدام المبيدات أهمها:

-وجوب وجود رقابة شديدة من جهات علمية مستقلة وحكومية واهلية فى كل ما يتعلق باستخدام تلك المبيدات وصناعتها وتجارتها ،بحيث لا يقتصر الامر على القرارات الوزارية وحدها فى تنظم هذا الموضوع الذى يمس حق قطاعات واسعة من السكان فى الحياة وتناول غذاء نظيف ، كما يفترض ان يكون لوزارة الصحة دور فى مناقشة هذا الموضوع بإعتبارها المسئولة عن حماية صحة الملايين ،وأيضاً يجب ان يكون لوزارة الدولة لشئون البيئة دوراً فى ذلك بإعتبارها الوزارة المسئولة عن البيئة فى مصر ، كما لايتصور ان تكون وزارة التموين بعيدة عن هذا الموضوع ، فتوفير الغذاء السليم مسئولية مشتركة بين هذه الوزارات الاربعة .

-وجوب تطوير وتشكيل لجنه المبيدات لأن شكلها الحالى غير ملائم ولا يتفق وخطورة الموقف ، ويوصى التقرير بأن يتم تشكيل لجان محلية للمراقبة بالقرى والمراكز والمحافظات للمراقبة والاشراف على صناعة وتداول واستهلاك المبيدات ، ويفترض ان يتسع تشكيل هذه اللجان المحلية ليضم اشخاصاً بصفاتهم الوظيفية على ان تضم هذه اللجان ممثلين للجمعيات الاهلية والمجالس الشعبية المحلية ووزارات الصحة والتموين والبيئة واساتذة المبيدات فى كليات الزراعة واعضاء مجلسى الشعب والشورى بالاضافة الى ممثلى هيئة المصايد وممثلى وزارة الزراعة ، ويفترض ان تكون هذه اللجان المحلية اساساً او نواة للجنه قومية اوسع تراقب موضوع المبيدات بمسئولية اكبر تتفق وحجم المخاطر .

- كما يجب تشديد العقوبات الواردة بقانون الزراعة أو أى قانون أخر ينظم أستخدام المبيدات لأن العقاب يجب أن يكون متناسباً مع حجم الجريمة المرتكبة ،كما يجب تشديد العقوبات أيضاً فيما يتعلق بالغش الصناعى والتجارى فى المبيدات

- نوصى ايضاً بانه من الضرورى ان تنقل تبعية الصحة الحيوانية والطيور والاسماك الى هيئات مستقلة على ان يكون لوزارات الصحة والتموين والبيئة دوراً لا يقل عن دور وزارة الزراعة فى تنظيم تلك الانشطة ولا يجب ان يقتصر الامر على وزارة أو هيئة واحدة فقط .

- كما يجب الوفاء باشتراطات دراسة الاثر الصحى والبيئى والاجتماعى قبل الشروع فى إصدار أى قرارات تتعلق بدخول اى من المنتجات الغذائية الواردة من الخارج أو السماح بتداول أى مبيد جديد كما يلزم اذاعة ذلك على الرأى العام قبل التصريح بإستخدام المبيد.

- ويجب كذلك ان يتم اتخاذ احتياطات واضحة ومعقولة ومعلنة لتجنب تلوث الاغذية بما قد يهدد الصحة العامة ، كما يجب ان يلعب " المعمل المركزى للمبيدات " التابع لوزارة الزراعة وهيئات حكومية وعلمية اخرى مستقلة معه دوراً فى فحص ودراسة المحاصيل المستهلكة محلياً للتأكد من خلوها من الملوثات . إذ لايعقل ان يكون دور هذا المعمل هو فحص المحاصيل المعدة للتصدير فقط كما يحدث الان .

العودة إلى القائمة