6

قصة نجع العرب 00"كارثة الموت فجأة"

" قصة نجع العرب 00كارثة الموت فجأة "  العدد السادس من سلسلة "الأرض والفلاح" ، ويستعرض التقرير المأساة التى يعيشها سكان إحدى القرى المنسية فى صعيد مصر ، التابعة لمركز ببا بمحافظة بنى سويف، والتى تنهار منازلهم بسبب الملح الناتج عن الرشح ،الأمر الذى يدفع بهؤلاء السكان إلى هوة التشرد وإفتراش العراء بعد أن فقدوا المأوى والملاذ والسكن ،هذا ويتناول التقرير إحدى الظواهر المنتشرة فى قرى مصر "الرشح"  الذى يعد من أحد المشكلات الهامة المؤثرة على مساحة الارض المزروعة. حيث  يبين التقرير أن الفاقد فى الارض الزراعية المصرية يقدر بنحو 25 ألف فدان سنوياً ،وكذلك يشير إلى تدهور ما لا يقل عن 50%من الارض الزراعية المصرية متأثرة بالملوحة أو القلوية 0

ويتناول التقرير قرية " نجع العرب "  كدراسة حالة لإحدى القرى التى تأثرت بمشكلة الرشح فى مصر، والتى يبلغ عدد سكانها حوالى  3000 نسمة ويقطنون فى 400 منزل ، وتعود أسباب المشكلة كما يشير التقرير إلى الأراضى الصحراوية  المستصلحة فى تلك المنطقة  والتى تعلو عن قرية نجع العرب بسبعة أمتار  ، وهذه الاراضى  تتبع الهيئة العامة لأملاك الدولة  ،حيث قامت شركتان لاستصلاح الأراضى فى سنة 1989  بشراء  712 فداناً ،بالاضافة إلى قيام شخصين آخرين من  أهالى قرية نجع العرب بشراء 50 فداناً 0 ونظرا لأن التربة التى قاموا باستغلالها بغرض الاستصلاح والزراعة هى تربة رملية تسمح بتسرب المياه ، التى قام بسحبها أصحاب المشاريع بواسطة ماكينات سحب من مشروع الرى الخاص بالبلد ، حيث اتبعوا أسلوب الرى بالغمر وليس بالتنقيط كما يشترط فى الأراضى المستصلحة، الأمر الذى أدى الى تلف الزراعة  فى البلدة عن طريق صرف هذه المياه الناتجة من هذه الأرض فى مصرف الرى الخاص بالقرية ،وهي محملة بنسبة كبيرة من الأملاح ورواسب المبيدات والأسمدة الصناعية ، الأمر الذى أدى الى قتل مسامات التربة الزراعية وانخفاض كمية الأوكسجين بها  ، وهو الحال الذى أدى الى بوار الأرض  فى النهاية ، أ ما بالنسبة للمنازل ، فقد زادت كمية المياه المنصرفة الى المصارف العمومية بما يزيد من قدرة استيعابها وتفاقمت مشكلة الصرف وأدى بطبيعة الحال الى ارتفاع منسوب المياه الجوفية ، حيث لاتوجد شبكة صرف صحى. ونتيجة لكل ذلك  تفجرت القرية بأكملها بالمياة المالحة والملوثة والتى اختلطت بمياه الشرب ،وأدت الى إصابة العديد من الأهالى بأمراض الكلى والتهابات الكبد وأمراض الجهاز التنفسى والأمراض الجلدية ،ويشكو نسبة كبيرة من أمراض العظام والروماتيزم  وحمى الأطفال .

    لقد تحولت القرية الى قرية يتكدس عليها الملح ..... يتسرب داخل تربتها الزراعية وأسفل جدران بيوتها اللبنية والحجرية المتلاصقة والمتداخلة مع بعضها، كأنها منزل كبير متعدد الأبواب والفتحات .

ومن آثار الهدم والبناء والتعلية فى بيوت القرية "كما يوضح التقرير " قطع الأجزاء السفلية لأبواب المنازل والحجرات ورفع الشبابيك لأعلى ،وأيضا نقل مفاتيح الكهرباء خوفا من اقتراب أيدى الأطفال أو وصول مياه الرشح الملحية وإحداث ماس كهربائى ،وأيضا رفع مواسير مياه الشرب ، ويحدث فى بعض الحالات أن عملية الردم والتعلية لاتتم فى كل مساحة البيت ،ولكن يكتفى أصحاب المنزل بحجرتين أوحجرة وصالة ودورة مياه ،ويتركون بقية مساحة البيت فى ارتفاع أدنى من اجمالى سطح المنزل بعد التعلية ،نظراً لازدياد التكلفة العامة وقلة الدخل "لقد ارتفعت الأرضيات وانخفض ارتفاع الحيطان إلى مترين ،ومترين ونصف ،وتحولت قامات الأهالى الى نصف قامة حتى  يتسنى لهم بسهولة  دخول  حجرات منازلهم ،وأصبحت العتبات العالية ذات الخمس سلالم والتى كانت ترمز قديما فى الريف المصرى الى سعة الحال ووفرة المال ونفوذ  السلطان ،أصبحت على العكس فى قريةنجع العرب ترمزالى الخوف والقلق والرغبة فى حياة أطول " .

كما يشيرالتقريرإلى أنه بمجرد ما ان بدأ الرى بالغمر بشكل مستديم  فى هذه الاراضى الجديدة  حتى بدأت الأرض الزراعية  فى البوار ، وحرمت الارض من فرصتها لتتخلص من مياهها الأرضية بين الزراعات ،فأخذ منسوبها يرتفع شيئا فشيئا حتى قرب من السطح ،وجاوز منطقة جذور النبات ،فلم يسمح بمرور الهواء فى مسامها ،وأعقب ذلك تغييراً فى خواص التربة ،فارتفعت ملوحتها ،مما أدى الى تدهور انتاجيتها من المحاصيل المختلفة ، وهذا الضرر ينطبق على مساحة 300 فدان من اجمالى مساحة 65 فدان ،هى كل زمام الأرض الزراعية الموجودة فى وادى غياضة الشرقية، ومازالت مياه الأراضى الرملية المستصلحة تصرف فى مصرف الرى الخاص بالقرية "، ولعل السؤال الذى يطرح نفسه الآن ،كيف تسمح  هيئة أملاك الدولة بالتأجير أو البيع لتلك الاراضى دون وجود دراسة وافية عن تأثير استصلاح الاراضى الصحراوية واستزراعها بهذه المنطقة على الارض الزراعية المجاورة ومنازل الفلاحين؟ ،ولماذا لا يلتزم القائمين على زراعة هذه المنطقة بسياسات الرى السليمة والتى تتمثل فى الرى بالتنقيط ،بدلاً من الرى بالغمر؟0

هذا ويحاول التقرير  أن يخرج فى النهاية بعدد من التوصيات  فيعرض لاقتراحين  أحدهما "بخصوص منازل الفلاحين "فيقترح  إمكانية نقل القرية كاملة إلى مكان أعلى من الأرض الزراعية المستصلحة الجديدة ،وبناء  بيوت بديلة لهؤلاء  الفلاحين بدلاً من المنازل التى أكلها الملح 0

ولن يكلف هذا الحل  أجهزة الدولة أية مبالغ ،لأنه يمكن تخصيص قطعة من أراضى الدولة عن طريق المحافظة ،بما لا تقل عن عشرة أفدنة وتبنى المساكن الجديدة عليها ،ثم يخلى الفلاحين منازلهم  القديمة  بالقرية ،وتأخذ الدولة تلك الأراضى القديمة بديلاً عن الأراضى الجديدة التى خصصتها ،ويمكن للمحافظة مع بنك التنمية والائتمان الزراعى تمويل هذا المشروع ، حيث أن كل منزل لن يتكلف أكثر من عشرة آلاف جنيه لأنهم يحتاجون إلى منزل صغير مكون من حجرتين ودورة مياه ومساحة أخرى داخل المنزل لمبيت المواشى وخلافه،ويمكن أن يتم تسديد هذا المبلغ  على مدد طويلة تتراوح إلى عشرين عاماً بفائدة بسيطة لا تزيد على 4% مثلاً 0

فهل يمكن أن تقوم المحافظة بالإشتراك مع بنك التنمية بتنفيذ هذا المشروع  حرصاً على حياة مواطنيها؟ 0

أما "بخصوص الأراضى الزراعية  " فإن التقرير يخرج بتوصية مفادها عمل مصرف مغطى للأراضى المستصلحة الجديدة لإستقبال ملح الأرض ، ونقله  إلى مكان بعيد عن مصدر الرى بالقرية ،وتعويض الأهالى عن الأضرار التى أصابتهم فى هذه الارض خلال العشر سنوات  الفائتة 0

هذا ويناشد التقرير الجهات الحكومية "محافظة  بنى سويف ،ووزارة الزراعةوالرى " التى أوفدت لجان  ،وقامت بعمل معاينات ،وأسفرت عن عدة توصيات أن تقوم  بتنفيذ  تلك التوصيات والتى تنحصر فى وجوب الرى بالتنقيط فى هذه الاراضى الجديدة ،وإنشاء شبكة للصرف لحماية الأراضى الزراعية القديمة للبلدة  ، وفى النهاية فإن مركز الارض لحقوق الانسان يرفع هذه التوصيات إلى كل المسئولين فى بلادنا ولكل الجهات الحكومية والاهلية،ويناشدهم سرعة التحرك حرصاً على حياة الأهالى وحماية لحقوقهم وخاصة بعد أن تدهورت أحوالهم المعيشية ،وأصبح منظرالملح على جدران البيوت يأكل ما تبقى منها،و بات الخراب الذى حل بأراضيهم "التى هى مصدر دخلهم الوحيد "صورة متكررة فى أرجاء القرية  ،الأمر الذى يدفعنا إلى رفع استغاثة هؤلاء الاهالى  إلى كل الجهات الحكومية لعل تلك الاستغاثة تجد من يسمعها0

12/7/1999م

العودة إلى القائمة