|
أبو السعد ، المزارع الطيب اللى من قرية التايه، كان راجل فى حاله وفاتح بيته لأهل بلده ، يقعدوا يتسامروا ويدردشوا وهما بيشربوا الشاى .
وفى يوم عملوا شكوى للمحافظ حوالين مشاكل القرية ، فانقبض عليه بتهمة عمل اجتماعات تحريض على الحكومة ، وأنه عضو فى جماعة ممنوعة أو تنظيم سرى معرفش أسمه ايه وأنه...وأنه ...القصد الراجل قفل بيته والناس مبقتش تجيله ولا بقوا يتكلموا مع بعض علشان ميتقالش عليهم أعضاء فى تنظيم ويتقبض عليهم زى أبو السعد .
لكن دوام الحال من المحال ، كام شهر فى الغمة دى وبدأ أبو السعد هو وشوية ناس فى البلد يتقابلوا تانى ، وكان طبيعى يتكلموا فى القصة تانى ويعيدوها ، وفى مشاكل القرية ، وحكاية الجماعة الممنوعة وبدأوا يتسألوا "التنظيم يعنى إيه "وسرى يعنى ايه وعلنى معناه ايه، وكل واحد منهم بكلمة أو بفتوى ، وفى يوم من الأيام دار بينهم الحوار التالى :
-ما تيجوا نعمل حزب لبلدنا يا ولاد طالما لا محافظ بيسأل ولا حكومة بتهتم بمشاكلنا
-بس الأحزاب دى بتاعة الناس الكبار يا أبو السعد .
-تعالوا إحنا نعمل حزب الناس الصغار ، الغلابة اللى على قدهم وماحدش بيسأل فيهم وينصرهم ويشوف مشاكلهم .
-ودا ممكن
-ليه لأ ... نشوف
وعنها اتفقوا على يوم يروحوا لواحد محامى يسألوه ، هما ممكن يعملوا حزب ولا لأ وإذا كان ممكن يبقى إزاى ؟
المحامى قال:
والله ممكن يا أبو السعد ، حق الناس فى التنظيم حق دستورى وقانونى .
بس عايز تعمل جمعية أو حزب أو رابطة مش مهم الاسم لكن حقك فى أن تعمل كل ده ممكن فى القانون .
- يعنى نختار الاسم ونعمل الحزب
- مش بالسهولة دى ياعم أبو السعد ، دا فيه شروط كتير قوى الحكومة حطاها علشان تعمل حزب .
- شروط ليه ، الرجالة موافقة ، وإنت بتقول دا حقنا ، يعنى أبوها راضى وأنا راضى مالك أنت ومالنا يا قاضى .
- عم مسعود قال ده حزبنا إحنا ، مش حزب الحكومة ، الحكومة تحط شروطها على حزبها زى ما هى عايزة لكن علينا إحنا ليه؟
- ده القانون يا عم مسعود
- إيه بقى شروط الحكومة ، ولا شروط قانون الحكومة
- لازم يبقى عندك برنامج ، والبرنامج ده يبقى مختلف اختلاف واضح عن برامج باقى الأحزاب ، وتبقى مش ضد مبادئ ثورة يوليو بتاع عبد الناصر ، ولا تصحيح 15 مايو بتاع السادات ، ولا مبادرة السلام مع اسرائيل ، ولا الوحدة الوطنية، ولا يكونش حد منكوا عليه شبهة تعاون مع أحزاب ضد الدولة ،بص هيه حاجات كتير هتعرفها واحدة واحدة –المهم دلوقتى بعد اعداد البرنامج هتقدموا للجنة اسمها لجنة شئون الأحزاب – أسمه اخطار- عشان توافق الأول على حزبكم ، فيه اسم خمسين واحد مؤسسين ، والبرنامج ،وكل التفاصيل .
- وإيه اللجنة دى بقى انشاء الله .
- دى لجنة من 7 فيها 4 من الحكومة منهم 3 وزراء والاربعة الحكوميين دول بالذات لازم يوافقوا .
- يعنى الحزب بتاعنا لو ما جاش على مزاج اللجنة بتاعة الحكومة يبقى ما نقدرش نعمله ؟
- للأسف يا أبو السعد أيوه ، ده القانون ، قانون الحكومة على رأيك .
- متشكرين يا أستاذ ، وما دام ده حقنا يبقى هنحاول ، وهنجيلك تانى ان شاء الله عنها وأبو السعد عمل قاعدة واسعة مع الرجالة ، وقعدوا يجيبوا الحاجات اللى مفروض أنهم يوافقوا عليها علشان الحكومة تقبلهم .
فيه ناس كتير مكنتش مع سياسة السادات ، ورافضين الصلح مع اسرائيل وعاوزين يحاربوها ، وناس منهم شايفة البرنامج اللى يتعمل بالشروط دى هيبقى برنامج الحكومة مش برنامج الناس. حد منهم وهما بيتكلموا على باقى الأحزاب قال " دول ناس من الكبار يا با ، وكلهم مولسين مع بعض " فقرروا يبقى اسم الحزب بتاعهم " حزب الطيبين " وكمان يبقى ده الحاجة اللى بتميزهم . وقعد كل واحد يحط فكرة أو اقتراح .
..احنا بنطالب بكذا ..واحنا بنطالب بكذا لما بقى برنامج للناس الغلابة بحق وحقيقى . مثلاً (إن الحزب يقدم كل سنة قايمة بأسماء الناس اللى مش لاقيين شغل فى المحافظة ، والمحافظة ملزمة تشغلهم ، الحكومة تصرف اعانات لأسر الطلبة الفقرا ، وكل التعليم يبقى مجانى ، مفيش أى تعليم يبقى بفلوس علشان الناس كلها تبقى زى بعض ، مش تعليم ترسو وتعليم بريمو .
المهم ، راحو بالحاجات للمحامى ، وعملوا له توكيل علشان يقدم الطلب ويتابعه .
بدأت المشاكل تنزل على راسهم بعد كده واحدة ورا التانية .عملوا اجتماع كبير فى القرية علشان يكلموا الناس على الحزب وعلى مبادئه جت الحكومة فضت الاجتماع وقبضت على شوية منهم أبو السعد قال ليه ، إحنا عملنا حزب ، وقدمنا الطلب ، وبرنامج مختلف وكل حاجة زى ما قانون الحكومة بيقول ، وبنشرح للناس مبادئه ،ومبنعملش حاجة غلط .
- ممنوع تتصرفوا أى تصرف باسم الحزب قبل ما الحكومة توافق على طلبكوا .
- بس الحزب اتعمل وقدمنا الورق ، والباقى ده مجرد اجراءات .
- ممنوع يا أبو السعد ..دا القانون
وبعد كام يوم بهدلة فى المباحث والنيابة خرج جماعة أبو السعد وبقوا مش عارفين يعملوا إيه ، يتكلموا عن الحزب بتاعهم ولا عن القضية ، يدعوا الناس يشاركوا فى الأفكار والحزب ولا يسكتوا خالص كأنهم معملوش أى حاجة .
المهم فضلوا محلك سر لحد ما ييجى رد اللجنة الموقرة وجه الرد، وكانت الصدمة ، الطلب أترفض ، يعنى مفيش حزب وإيه أسباب الرفض ؟كتير ، بس أحد الأسباب المهمة للرفض هى إسم الحزب ، حزب الطيبين ، ده معناه إن الحزب قائم على التمييز بين الناس ، وده ممنوع فى القانون ، وكمان أهدافه ضد الوحدة الوطنية ، لأنه بيحرض الغلابة والطيبين على اصحاب النفوذ والناس الكبار بدل ما يدعى لوحدة كل الشعب ، ويهدد السلام الاجتماعى إلخ .
- يعنى الغلابة والطيبين يا بيه دول مش موجودين زى ما الاغنياء والناس الكبار موجودين .
- موجودين يا حاج أبو السعد
- يعنى ميبقلهمش حزب يتكلم باسمهم ويطالب بحقوقهم .
- لأ يبقى فى يا حاج ، بس من غير الأفكار والكلام ده بتاع حقوقهم وغيره
- إذا ما كانوش يتحدوا مع بعض، أمال عايزينهم يتحدوا مع مين مع الناس الكبرا ، هو فيه حد من الكبرات بيعبرهم ، ولا حد بيسأل فيهم ؟
- أهو ممنوع وخلاص يا حاج أبو السعد
- أنا مش عارف يعنى إيه بقى إحنا لينا حقوق انسان اللى منها حق نعمل حزب، ياريت تبقوا تفهمونا بالمرة يعنى إيه حقوق .
- هدئ اعصابك يا حاج أبو السعد ، حاول تغير الاسم ..وتغير البرنامج يعنى صلحة شوية علشان يمشى ،وبلاش اجتماعات أو دوشة علشان مصلحتك أنت ، وإن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام .
- يلا روح بالسلامة وسلامة فى خير وخير فى سلامة
هل تعلم يا عم أبو السعد:
أن حق الناس فى التنظيم حق أصيل منصوص عليه فى المواثيق الدولية .
اللى الحكومة المصرية ملتزمة بتطبيقها وإليك بعض هذه النصوص:
1- لكل شخص الحق فى حرية الاشتراك فى الاجتماعات والجمعيات السلمية والاعلان العالمى لحقوق الانسان .
ومن العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية بعض النصوص كالأتى :
1- لكل فرد الحق فى حرية تكوين الجمعيات مع آخرين ، بما فى ذلك حق انشاء النقابات والانضمام اليها من أجل حماية مصالحه. (مادة 22)
2- لا يجوز أن توضع قيود على ممارسة هذا الحق إلا التى ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية – فى مجتمع ديمقراطى لصيانة الأمن أو السلام الإجتماعى والنظام العام ، أو الصحة ، أو الآداب، أو حماية حقوق وحرية الآخرين .
3- لكل انسان الحق فى اعتناق الأفكار دون مضايقة.
4- لكل انسان الحق فى حرية التعبير ...(مادة 19)
وأيضاً نص الدستور المصرى على حقوق المواطنين فى التنظيم :
للمواطنين حق تكوين الجمعيات على الوجه المبين فى القانون ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاد للنظام الاجتماعى أو سرياً أو ذو طابع عسكرى .
واللى بيحصل فى كل الدول الديمقراطية إن لما الناس يحبوا يعملوا حزب ، بيعملوه من غير إذن أو طلب ، إنما حكاية توقف نشاط حزب على إذن من الحكومة اللى الحزب بتعها أكيد هيعارضها ده ميبقاش ديمقراطية .
-وحكاية إن لازم الحزب يبقى موافق على كذا وكذا اللى هو سياسة الحكومة دى مصيبة تانية ، التشريع كده بدال ما ينظم موضوع الأحزاب بيقيدها ويحدد لها تفكر إزاى وتتبنى إيه، يعنى تحول دور الحكومة من تنظيم شئون الأحزاب إلى فرض وصاية على الأحزاب وفرض رؤيتها السياسية عليها ، يا كده يا مفيش حزب، يبقى فين بقى الديمقراطية .
وحكاية إنه مفيش حزب يقوم على أساس طبقى لازمتها إيه، بريطانيا وغيرها كتير من الدول فى الشمال والجنوب وحتى من قريتين كان فيها أحزاب للعمال وأحزاب للفلاحين ، مش جزء من المجتمع ليهم مصالح من حقهم يتحدوا زيهم زى غيرهم ويدافعوا عن مصالحهم . وبعدين فيه تناقض- البرلمان بيتكلم عن خمسين فى المية عمال وفلاحين وفى نفس الوقت يمنع العمال والفلاحين من حقهم فى عمل أحزاب.
طالما المجتمع فيه مصالح مختلفة يبقى من حق أصحاب مصلحة مشتركة تعمل أحزابها ،ولا يعنى الفلاحين والطيبين بالذات ممنوع عليهم يدافعوا عن مصالحهم.
قانون الأحزاب اللى عامله حزب الحكومة فيه حاجات كتيرة غريبة وضد الديمقراطية...منها :
- إن لجنة شئون الأحزاب اللى أغلبيتها من الحكومة من حقها أنها تطلب حل الحزب، أو توقف نشاطه أو تمنع الجرايد بتاعته ، وتقفل مقراته وتاخد فلوسه توديها مطرح ما هى عايزة . والأسباب كتيرة، وكله بالقانون لو أعتبرت اللجنة إن للحزب نشاط ضد المصلحة القومية العليا (ودى عبارة مطاطة تقدر الحكومة تفسرها حسب مصلحتها ) وكمان من حقها حرمان أى عضو فى الحزب من العضوية أو من ممارسة العمل السياسى .
- وفى المادة 7 من قانون الأحزاب تناقض غريب ، ان المؤسسين للحزب لازم يبقى فيه 50% منهم عمال وفلاحين مع أن القانون بيمنع قيام الأحزاب على أساس طبقى .
- يشدد قانون الأحزاب العقوبة على أعضاء الحزب قبل وبعد تأسيسه ، قبل التأسيس لو حد منهم أتصرف كعضو فى حزب أو أتكلم بأسمه بيتعرض لخمس سنين سجن (ولا عقوبة مجرم جنائى خطير) وبعد التأسيس لأسباب كتيرة كلها مطاطة زى ممارسة نشاط لمصالح القومية العليا.
- وفى الحقيقة فإن القانون أخترع لجنة لتقييد نشاط الاحزاب وفرض الوصاية عليها، مش لتنظيم تأسيسها ، ما عدا حزب الحكومة .
ولازم عمى أبو السعد و كل الناس الغلابة والطيبين وأصحاب المصالح المشتركة يدافعوا عن تكوين أحزاب بحرية .
ولازم يعملوا ندوات وشكاوى ويرفعوا قضايا علشان يغيروا قانون الأحزاب ولازم كل مؤسسات المجتمع المدنى تنسق جهودها لعمل حملة تحقق :
حرية تكوين الأحزاب بدون قيد أو شرط .
الغاء كافة القوانين المقيدة للحريات
شد حيلك يا عم أبو السعد ، علشان نقدر نعيش حياة كريمة وبحرية وامان لازم نفضل نشتغل ونطالب وعلى رأى المثل
ما ضاع حق وراه مطالب .
الرجوع الي القائمة
|