|
الحاج علوان ، واحد من ولاد قرية جميلة ، فى أحد محافظات المحروسة ، مزارع بسيط عنده عيلين وعشر قراريط عايش منهم ، فاتح بيته للناس ومحبوب من البلد كلها ، مسميينه " فى البلد أبو النواس" علشان بيتلموا عنده الفلاحين كل أسبوع يسهروا ويشربوا الشاى والدخان وهاتك يا حكى ويا قصص فى كل حاجة . كانت سهرة علوان- أو أبو النواس – فاكهة القرية ومتعتها . كل واحد يحكى حكاية أو وجيعة والباقين يسمعوا ، وأبو السعد يعلق وينصح ويعاتب ويناقش.
وفى سهرة من دول شاب من شبان البلد إشتكى من ظروفه خد الدبلوم من 7 سنين وداخ على شغل من غير فايدة ، أهله غلابة وإخواته كتار والحال بيضيق أكتر مش عارف يعمل حاجة، وتحولت قعدات أبو النواس بعد كده عن ظروف الناس والأزمة والبطالة والحكومة ، كل واحد برأى ،كل واحد بكلام ، علوان انسحب من لسانه وإقترح عليهم يكتبوا شكوى للمحافظ يحكولو فيها على حال البلد ، ويطلبوا منه شغل لأولادهم ، مكدبوش خبر . جابوا ورقة وقلم ، وكل واحد منهم بكلمتين " سعادتك ده ميرضيش ربنا ، بقينا مش لاقيين هدمه نلبسها ، حرام والله ، دى مسئولية الحكومة وإحنا برضه مسئولين منها ، يعنى ولادنا يعملوا إيه .....الخ"
وبقت شكوى بجد المهم ، بعتوها للمحافظ واللى مضى مضى واللى ممضاش بصم أو ختم 180 توقيع بين امضا وبصمة وختم ، وطبعاً ختم علوان كان أول واحد ، وراحت الشكوى للمحافظ والناس قعدت ملهاش غير موضوع الشكوى ، كل واحد عنده مشكلة علق أمل عليها ، واحد قال أول ما الشكوى توصل للمحافظ هتتحل المشكلة بتاعتى ، وقعدوا يعدوا الساعات والأيام مستنيين حل المحافظ لمشاكلهم .
همه عشر أيام بالتمام والكمال والدنيا اتقلبت ، حد يظن لا سمح الله إن المحافظ حل المشكلة أوجاب شغل للعيال ، أقول له إنت غلطان . اللى حصل إن بعد عشر ايام وحوالى الساعة 2 بعد نص الليل شوية افندية ببدل ومعاهم شوية عساكر خبطوا على باب عمك علوان ، قام مفزوع من الخبط وفتح الباب وهو عمال يئول " خير اللهم اجعله خير" . ودخلوا من غير إحم ولا دستور ودار بينهم حوار قصير جداً
-إنت علوان ؟
= أيوه أنا يا بيه
-طيب عايزينك معانا نص ساعة بس وهترجع
= خير إن شاء الله ، فيه إيه؟
-متقلقش دول كلمتين وترجع على طول ، بس يالله خلصنا
قالها الافندى الكبير بهدوء شديد وحسم وإدى ضهره لعلوان، وشاور للى معاه ، سكتت باقى الاسئلة على لسان علوان، وهمه دخلوا كل حتة فى الدار قلبوها عاليها واطيها تفتيش وبهدله وتدوير .
ركبوا بعد كده عربية سوده ومشيوا بيه من غير ما حد ما يدرى ، قعد علوان طول الطريق يضرب أخماس فى أسداس ، الحكومة عايزاه ليه؟ دا عمره ما أذى حد ولا شتم كبير ، ومفيش أى حاجة بينه وبين الحكومة ، طب عايزينه ليه ، معقول يكون علشان الشكوى ...الله ...طب فى نص الليل كده ، شكوى إيه اللى ياخدونى فى نص الليل علشانها أمال ايه السبب وعايزينى ليه ؟.
فضل علوان محتار وبيفكر طول السكة لحد ما وصل مبنى كبير فى المحافظة وعليه حراس كتير ، دخلوه جوه ، قعدوه فى أوضه وقفلوها عليه من غير نور لحد تانى يوم الضهر . فتحوله وخدوه مكتب فيه اتنين أفندية حاول علوان يبان طبيعى مفيش حاجة، بس الحقيقة من جواه كان مرعوب ومش فاهم .
-أزيك يا علوان
= الله يسلمك يا سعادة الباشا
-ولادك عاملين إيه
= بيبوسوا ايد سعادتك
-إنت تبع إيه بقى يا علوان
= تبع ربنا يا فندم
-الله ...انت تنظيم دينى ولا شيوعى ولا حقوق انسان
= تنظيم إيه لا سمح الله ، أنا راجل فى حالى مليش دعوة بالكلام ده
-فى حالك ‘ازاى ، أما ايه بقى الاجتماعات اللى بتحصل فى بيتك دى
= اجتماعات ايه سعادتك ، أنا مش بتاع اجتماعات
-قام واحد من الاثنين وهو متنرفز .
= ما تستهبلش يا راجل أنت شكلك مشاغب وهتقرفنا معاك ، أحسن لك تقول على كل حاجة ، لأنك هتتكلم هتتكلم .
اكتشف علوان من كلامهم إنه متهم بتهم عمرها ما خطرت بباله ، يا نهار اسود عضو فى تنظيم حقوق انسان وامم متحدة ، وإنه بيعمل فى بيته اجتماعات ، وانه بيحرض الناس ضد الدولة وضد نظام الحكم ، وان تحرياتهم أثبتت الكلام ده . مش بس كده ، دول قبضوا على تسعة تانيين من البلد بيحضروا الاجتماعات وأعضاء معاه فى التنظيم ، ومنهم الشاب الغلبان صاحب المشكلة اللى مش لاقى الشغل ، يا ليلتك السودة يا علوان كان مستخبى لينا فين ده كله
أسبوع بحاله يدخلوه ويخرجوه على أفندية أشكال وألوان اللى بيشخط واللى بينطر ، واللى يشتم واللى يضرب ، ولازم يعترف ويمضى على اعترافه . فى الآخر ملقاش حل غير إنه يمضى على اللى عايزينه ، فختم على ورق جابوهوله علشان يخلص نفسه ، تانى يوم ودوه النيابة هو والتسعة التانيين . وهناك وكيل النيابة شبع فيهم اسئلة وسين وجيم لحد ما داخوا .
يوم ما خرج علوان كان يوم له العجب ، البلدكلها فرحانة بخروجه ، بس كتير منهم خافوا يروحوا يباركوا له ، أحسن يكون متراقب ، وتبقى شبهه وناس تانية قالت : ما يمكن يكونوا فى منظمة بجد .... وحتى الشباب التسعة اللى خدوهم حالهم كان نفس الحال ، الناس بقت كاشه تتعامل معاهم ، وقعدة علوان اللى كانت الناس بتفك عن نفسها ،ويشوفوا بعض ويدردشوا ويتعاتبوا ،ويشتكوا لبعض ويسمعوا لبعض انفض سامرها ، الناس قالت [ مش ناقصين وجع دماغ أو شبهة ]
حتى الناس مع بعضها مبقتش تتلم ، هو يا دوب زيارة الأقارب للضرورة وخلاص اللى حصل لعلوان خلاهم خايفين ، أصلها فيها حبس وسين وجيم.
مسكين علوان وصحابه ، كل ذنبهم انهم كانوا بيتلموا مع بعض ويقعدوا يدردشوا فى مشاكلهم ، وانهم فى يوم من الايام اتأثروا بمشكلة شاب غلبان فكتبوا شكوى، وكأن الناس مش من حقها تقعد مع بعض وتتكلم وتتناقش وتشتكى أصل بقى اللى بيتكلم ده مع غيره، ويتضامن مع غيره يمكن بكره يفكر فى حاجات أكبر من كده ، وكمان إش عرف الحكومة إنه ملوش أهداف تانية !! يعنى باختصار هيبقى مشبوه عند الأمن ، الناس مفروض تبقى فى حالها، يا اما تتكلم فى الهايفة يا تخرس خالص علشان ميحصلهاش اللى حصل لعلوان . يعنى الحكومة سبب المشاكل والناس هى اللى تشيلها ، وكمان مطلوب منهم يخرسوا ميتكلموش فيها.
طبعاً فى الآخر متعملش قضية ولا حاجة ، لأنه مفيش حاجة أصلاً يتعمل فيها قضية ، المسألة كلها إن الحكومة عايزة تخوف علوان والفلاحين لأن الحكومة بتخاف إن الناس تتلم وتتكلم وتناقش فى مشاكلها ، النهاردة بدأوا بشكوى ، وطبعاً الشكوى مش هتحل حاجة ، فممكن بقى يفكروا فى حاجة تانية ، طب وليه منسكتش البلد .
يمكن نجحوا لأن علوان راجل بسيط وغلبان ومش عارف حقوقه ، لكن حقوقنا القانونية إن إحنا نقابل بعض ، ونجتمع مع بعض ، ونتناقش ، ونفكر فى مشاكلنا وفى حلها. حد يقوللى حقنا ازاى؟ اقولله شوف :
1- الدستور بيدينا الحق ده ، المادة 54 بتقول:
" للمواطنين حق الاجتماع الخاص فى هدوء غير حاملين سلاحاً ودون حاجة الى اخطارسابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة ..."
2- فى المادة 47: حرية الرأى مكفولة ، ولكل انسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أوالكتابة أو التصوير أو غير ذلك ..." يعنى ايه الكلام ده، ده معناه أن كل الناس فى مصر حقها تعمل اجتماعات فى أى وقت فى بيوتها أو نواديها أو شركاتها ، طالما فى هدوء ومن غير سلاح ، ومش محتاجين اذن أو موافقة من حد ، ولا يجوز للامن أن يحضر معهم ، وكمان من حقهم يتناقشوا بمنتهى الحرية ، ويقولوا رأيهم وف أى موضوع مهما كان لأن الدستور بيديهم الحق فى ده ، وعلوان أصلاً مرتكبيش جريمة لما مارس حقه ، الجريمة هى تخويف الناس لمنعهم من ممارسة حقوقهم والقبض عليه علشان البلد كلها تسكت وتخاف.
مش بس الدستور ، ده كمان الاعلان العالمى لحقوق الانسان وده معاهدة دولية مصر صدقت عليها فتبقى احكامه ماشية زى القانون .
بيقول الاعلان فى المادة 20/1
لكل شخص الحق فى حرية الاشتراك فى الاجتماعات والجمعيات السلمية .
وكمان العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ، وده معاهدة دولية برضه زى الاعلان .
بيقول العهد فى المادة 21
"الحق فى التجمع السلمى معترفاً به وحق مكفول لجميع البشر .
ودا كله معناه إن حقنا فى عمل اجتماعات قانونى ومعترف به محلياً وعالمياً ، وأيضاً حقنا فى التفكير وفى التعبير عن وجهات نظرنا بحرية تامة، كلها حقوق اساسية لينا ،ولا من حق الحكومة ولا أى حد انه يمنعنا أو يحرمنا منها ، عشان كده ، وعشان حقنا ، القضايا اللى بتعملها الحكومة فى الحاجات دى بتبوظ وحقنا بيتأكد أكتر واكتر .
باقى كلمة نقولها كلنا لعمى علوان الراجل الطيب والجدع متخافش انت وأهل بلدك ، ومتخافوش من بعض ولا من ممارسة حقكم ، اتقابلوا واتلموا وفكروا واتناقشوا واللى بتعمله الحكومة ده تهويش اوعوا تخافوا منه ، ده حقكم ، فاتمسكوا به ، لانه مش من حق حد يحرمكم منه وهو ده اللى ممكن يحقق لينا حياة أفضل ومستوى معيشى انسانى ولائق .
الرجوع الي القائمة
|