11

 حكاية عليش والنقابة

البلد كلها اتجمعت فى المندرة لتطمئن على عودته سالماً بعد غيابه شهور عن البلدة على غير عادته ، اعتقد الجميع إنه مات فى الهوجة اللى طالت أرض المحروسة ، بعدما شربوا الشاى وتندروا على بعض قال الشيخ عليش: إنتم عارفين إنى طول عمرى عايش فى الكفر ماعرفش غير سكة الغيط ومطرح القهوة
ومن يجى سبعة شهور سمعنا حكايات عن جماعة يناير فبراير مارس ابريل ومايو والحقوق والمطالب واللى ناويين الناس يروحوا ياخدوها من صاحب العزة رئيس البلاد ، أنا قلت الناس إتخبطت فى نافوخها ، معقول دا الرئيس اللى طول عمره شغال عندنا ، يتجمعوا المجانين ويصرخوا غضبانيين فى وشه ، ويقولوا عايزين حقوقنا ، ده حتى المثل بيقول ( لو ليك عند الكلب شئ قوله يا سيدى) ، لكن خبط لزق نزل الناس قدام قصره وقالوا يا نجيب حقنا يا ترحل ، وقالوا كلام قبيح زى إرحل يا سفاح يا مجرم يا واطى ، إنتم كلكم شفتم وسمعتم وعشتم الأيام الغابرة ديه ، السجون إتفتحت والبهايم إتسرقت جرن القمح إتحرق وسمعنا ناس قالوا حرقوا بوكسات الشرطة ، وقال الضباط المحترمين بقوا ماشيين جنب الحيط بهدوم ملكى قال إيه : لو شافهم الناس لابسين ميرى هيضربوهم بالجزم
بصراحة إتلخبط ، لأول مرة فى حياتى يا ناس شفتم جرأة كده ، قلت لازم يا عليش تنزل تشوف بنفسك ، خاصة إن ناس ببلدنا كانت مع الجيش وناس مع الثوار ، ناس لا ليها فى الطور ولا فى الطحين قالت احنا مالناش إلا الجماعة السنية هما دول اللى يعرفوا شرع ربنا . وقال إيه الدبابات نزلت البلد ولفت بالشوارع ، قلت والله زمان يا بلادى ، جدى كان بيحكى عن معسكر للإنجليز مليان دبابات وبارود ، معسكر بره البلد ،لكن ساعة ما طردوا الإنجليز والدبابات غادرت ، مجاتش إلا الايام دى ، قلت يا عليش ليك حظ تشوف الأيام السوداء اللى بتتسجل بالكتب
كان واحد قريبنا مبسوط وعالى ، عمرى ما شفته ،لكن بسمع عنه ، علشان الشديد القوى نويت على الفهم أخيرا يا عليش ، طلعت المحفظة اللى فيها عقد البيت والقيراطين وعنوان قريبنا ، سألت ولاد الحلال فى البلد على الوصفة ، قالوا دى سهلة قوى يا عم عليش ، تنزل ميدان رمسيس تركب عربيات القصر ، تسأل هناك على قريبك ، اكيد هيفرح أوى لما يشوفنى ، شفت حاجات لو حكيتها للأبالسة مش هيصدقونى ، المهم وصلت قدام القصر ، ماسك إسم قريبى بالورقة ، قابلنى راجل هيبه ، قلتله والنبى يا بيه عايز أشوف الباشا اللى إسمه فى الورقة ، قال تعرفه منين ، قلتله دا قريبنا ، من عيلتنا ، سألنى عايزه منه ايه؟ ، قلت له فهمى قليل يا بيه ، عايز أفهم اللى بيحصل فى البلد ، إنتوا ناس واصلين ، بلدنا إتقسمت مبقيناش عارفين الصالح من الطالح ، قال إيه فلان ده فلول وفلان ده ثورى وفلان تبع الشيوخ ، والشيوخ إتقسموا على شرع ربنا ، ناس سموهم سلف وناس خلف ، الأمانة كلهم ريحتهم غريبة ولا ريحة الصرف اللى مالى البلد ، الناس فى بلدنا بتعمل زى الناس بالزرع .الجماعة دول بيعملوا بخزانات مفتوحة قدام بيوتهم ، رائحتهم استغفر الله العظيم ولا القبر ، لو يعملوا زى الناس فى الشارع كان ربنا يبارك فيهم ويصرف الرائحة الوحشة من بلدنا . قلت مفيش غير قريبنا الكبير العادل الحكيم رئيسكم ، هو اللى يقوللى أعمل ايه ، البيه اللى على الباب حاول يمشينى ، قال هو مش موجود يا حاج ، انا راسى والف سيف إن أخش أسلم على قريبى ، أجى لحد بابه يا ولاد ومتباركش بطلعته ، البيه يتحايل على وأنا لا يمكن لازم أقابله ، فى الاخر قالى يا مجنون إنفد بجلدك قريبك فى السجن ، اتجننت ولخبطتى زادت مهو لو مكنش لابس ظباطى كنت أكلت قلبه
أخر ما زهق منى الراجل نادى على عسكرى ، قال له وديه لقريبه فى س"777 "، فرحت قوى أخيرا هشوف نوارة عيلتنا ، أبويا وصانى على العنوان ، قالى يا عليش أى حاجة تحصلك روح على طول للبيه قريبنا ، فى الشديد القوى يا عليش ، مش فى الهايفة والصغيرة تتصدر ، لحسن يتبره منك ، وانا للأمانة عمرى ما قصدت بابه ، قلت لنفسى يا واد الأصل غلاب.
فى س"777" شفت العجب ألوان ، شباب ورجاله ونسوان محترمين ، بيقلعوهم ملط وبيحطوا رؤوسهم فى الطين ، قال والستات بيكشفوا عليهم لحسن يكون حد عامل فيهم حاجة قلة ادب ، مسكنى الضابط من رقبتى ، وقال ملتك ايه تبع جماعة ابريل ولا يناير ولا مارس ولا نوفمبر تبع انهى شارع انطق ، محمد محمود ولا ماسبيرو ولا القصر العينى ، إنت جيت منين يا بجم من إمبابة ولا حى الأربعين ولا سعد زغلول ولا المرسى أبو العباس تبع مين انطق ؟ . سهم ربنا نزل على ، الضرب نازل على ظهرى ورأسى علشان أقول حاجة ، لسانى إتخرس يا ناس ، واحد إبن حلال دخلونى معاه بزنزانه كبيرة ، قال لى : يا عم الحاج إنت فى السجن الحربى ، يا نهار إسود ليه ؟ ، قال لى يا عم الحاج عشرين الف واحد زيك محبوسين وعليهم احكام ، اللى 3 سنين ،اللى عشرة ، اللى عشرين وكلهم زى حالاتك مش عارفين ليه ، قلت له بس أنا متعرضتش على محكمة ولا دخلت القفص ، المحامى بتاع عيلتنا مجاش لابس الروب بيتمخطر ، علشان يفهمهم إننى عليش المصراوى الغلبان اللى عمره ما طلع من البيت إلا على الغيط أو الجامع أو القهوة ، أعطانى الراجل الطيب نصف رغيف وشوية ملح ،قال لى إنت راجل طيب قوى ، كل يا حاج، ياما هتاكل.
دخل علينا يجى عشرة أفندية محترمين ، سألتهم إنتوا مين ؟، قالوا إحنا عمال شركة الطواف الهندى ، قلت وسايبين شغلكوا وجايين هنا ليه ؟، قالوا الجيش أصدر أحكاماً عسكرية بحبسنا ، علشان إمتنعنا عن العمل وطالبنا بحقوقنا ، قلت وهو ده حرام ؟ قالوا إنت غلبان يا حاج ، الإضراب بعد 25 يناير جريمة فى بلدنا ، واحد قام على حيله منهم خطب فى المساجين ، قال يا ناس المحروسة ضجت ، بيحكمونا بالطوارئ ، ألاف بالسجون بسبب المحاكمات العسكرية دون جرم ، الثوار بيمرمطوا بشرفهم الأرض ، سياسين كتير قبلوا بخسة اقتسام الكعكة مع المجلس العسكرى وباعوا الناس والبلد ، بتشفوا بالتليفزيون بحباحى ومرداعى وسباعى وجعجاعى قاعدين بحب على ترابيزة المجلس والحكومة ، يا عالم لازم نرتب نفسنا علشان نحرر المحروسة ، واحد قال بزعل : لسه بناخد ثلاثمائة جنيه فى الشهر وناس بياخدوا الملايين ، تدخل راجل تانى منهم وقال : تصدقوا 10000 موظف بالحكومة والأجهزة يعملون مستشارين بياخدوا فى السنة حوالى 20 مليار جنيه ، قلت للراجل اللى جنبى : أد أيه الفليار ده يا بنى ، ضحك وقالى : يجى ملو حجرك فلوس يا حاج ، جلست معهم ، اطمئنيت ليهم ، رجالة جدعان مبيهمهمش حاجة ، سمعت حكايات وأعاجيب عن بطولتهم ، قال الناس فى الميدان اللى بتطالب بحق ولادها اللى ماتوا يقتلوهم ،دم الشهيد يا ولاد ذنبه أيه ، قالى واحد : يا عم الحاج دول بيسموا أهالى الشهداء والمصابين بلطجية ، قال بيروحوا التحرير علشان يموتوا وياخد أهلهم المعاش والمكافأة ، قلت يا خرابك يا محروسة ، وصل بناسك الحال يضحوا بروحهم علشان أهلهم يبقى عندهم دخل ياكلوا منه
واحد صاحى قوى من المساجين قعد جنبى وقالى : العسكر هدفهم يكسروا روح الناس اللى طلعت تطالب بحقوقها ، يقتلوا القتيل ويمشوا فى جنازته ، يخلوا المسيحى يضرب المسلم والمسلم يقتل المسيحى ، يحرقوا الكنائس والأضرحة ، بيفرقوا الناس لشيع علشان يقولوا فى التليفزيون : شوفوا حال البلد هنسيبها ازاى ؟ عايزينا نمشى ، إتفقوا الأول وأحلفوا وعهدونا محدش يجى جنب فلوسنا ولا يلمسنا ، ياعم الحاج اللى بيفتح بقوا بيجى معانا بالسجن من غير محاكمة ، قلت يا خسارة يا ولاد على المحروسة ، قال قريبنا اللى بتفشخر بيه ، اللى ما عمره ما زار بلدنا محبوس مع الحرامية اللى قتلوا ولادنا ، قلت والله ما نجيب سيرتو تانى لحد لحسن أتعاير بيه
يوم العيد الصبح ربنا فرجها على ، قالوا روح يا عليش لبلدكوا مدتك خلصت ، قلت والله لازم أشوف الميدان اللى بيحكوا زملاتى عنه ، لازم أروح وأشم هواءه ، واتبارك بقلوب وأرواح الشهداء المخلصين ،وأشوف الرجالة والنسوان والبنات والصبيان اللى هزوا عرش الملك ، سألت السواقين بالموقف : دلونى على الطريق ،نزلت بالمحطة ،ودخلت الميدان ، خلايق أشكال وألوان ،عيون تتلاقى بحب ،يهتفون بسقوط العسكر ....والمشير والغفير والأمير، يطالبون تسليم الأرض للفلاحين لزراعتها وتشغيل المصانع المغلقة ، ورفع الأجور والإفراج عن إخوتهم بمعسكرات (س،ص،ع)ووقف الأوامر العسكرية بحبس الناس ، طلبات كتيرة بتبين القهر والظلم ، تهت يومين ثلاثة وسط الميدان ، نمت وسطهم يجى أسبوع ، لحد مهجم العساكر علينا وأخلوا الميدان ، قلت إرجع البلد خلاص يا عليش ، إنت فهمت كل حاجة ، وعرفت مين معنا ومين ضدنا ، قلت لازم الدولة تعمل مدارس ومستشفيات كويسة تعالج المصابين بالكبد المهري والكلى ، لازم يدخلوا الصرف الصحى بالبيوت والمياه النظيفة ، يا ناس إنتوا مش مصريين ، بلدنا غنية وإحنا أولى بخيرها من الحرامية واللصوص إحنا الشقيانين والتعبانين ولاد المحروسة
عرفت بالميدان إن الانتخابات هى تمثيلية متفق عليها بين السياسين والعسكر لإلهاء الناس عن حقوقهم، زى هدم الأضرحة، وحرق الكنائس، وقتل الناس بالباطل ، بتقوم اجهزة بتدعى الخيبة ، بعمل العملة وتتهم طرف ثالث خفى زى العفاريت بأنه المتسبب فى الجريمة ، علشان يستمر الظلم والإستبداد ، عرفت ألاعيبهم علشان يكمموا أفواه الناس بكمامات سرية لا تراها العين ، عرفت إجرامهم وقوة اخواننا المصريين فى التحمل والخلاص والإنتصار على كل هذه الحيل الكاذبة ، وتأكدت إن محدش من السفلة والقتلة ومصاصى الدماء والعرق هيخرج خروج أمن من سماء بلادنا ، الكل هيتحاسب من أكبرها وزير لأصغرها موظف ، أمال إيه ، إحنا عرفنا السكة يا ولاد وإتحررنا ، محدش هيقدر يدخلنا القفص تانى
أبو احمد قالى : نعمل ايه يا عليش يعنى؟ ، قلت له نقابة يا واد ،نتجمع فيها وندافع عن مصالحنا وحقوقنا ،نقابة ناخد بيها أرض زراعية وسماد وبذور ،نسوق من خلالها محاصيلنا ، نقابة تتكلم بإسمنا ، تجمع صوتنا وتقويه ، تخلى أى موظف بالحكومة يعمل ألف حساب لحقوقنا، رد ابو شاهين معقول يا عليش ، النقابة ممكن تخلى حياتنا افضل ، لم ارد عليه ، لان اصوات المئات من الفلاحين التى جاءت لتهنئنى بالعودة ، كانت تتقدم لتملئ الاستمارات وتناقش الطريقة التى تجعلنا نستحق ونفتخر ببطاقتنا المكتوب عليها أسماءنا وعناوين بيوتنا ، عشان ولادنا ومستقبل المحروسة الامن لازم نخرج ونعلن مطالبنا فى الاجر العادل والعيش بكرامة و القصاص لدماء شهداءنا

الرجوع الي القائمة